عودة الحوادث الإرهابية لتونس

مؤشرات الخطورة واحتمالات الصعود.

وقع مساء الاثنين الماضي 29 أكتوبر 2018 تفجير بالقرب من دورية أمنية بشارع الحبيب بورقيبة الشهير، في قلب العاصمة التونسية، نفذته سيدة ثلاثينية، أصيب على إثره خمسة عشر أمنيا، وخمسة مدنيين بينهم طفلان- دون وقوع قتلى- وهي المحاولة الإرهابية الرابعة خلال شهر واحد.

أبرز العمليات خلال شهر أكتوبر 2018

في الثالث من اكتوبر

قام انتحاريون منسوبون لتنظيم كتيبة "عقبة بن نافع" الإرهابي المرتبط بالقاعدة في المغرب والساحل بهجوم انتحاري على مجموعة من رجال الأمن بمحافظة القصرين.

في العاشر من اكتوبر

أحبطت قوات الأمن التونسية محاولة استهداف مركز شرطة بمحافظة القصرين القريبة من الحدود مع الجزائر، وأفادت وزارة الداخلية التونسية، في بيان لها بأن مسلحين أطلقوا النار على مركز الأمن ثم لاذوا بالفرار باتجاه جبل سمامة الذي تتحصن فيه المجموعات المسلحة.

في العشرين من اكتوبر

وفي محافظة القصرين وقع هجوم عناصر متطرفة على منزل قرب جبل المغيلة وسلب مقتنياته.

تعد العملية الانتحارية الأخيرة، رقم 35 منذ عام 2011 ضد قوات الأمن ومقراته في تونس،  وسبقتها عملية نوعية أخرى في 8 يوليو الماضي (2018) بعد نصب عناصر مرتبطة بداعش كمينا استهدفت فيه دورية أمنية من الحرس الوطني بعين سلطان على الشريط الحدودي التونسي الجزائري، راح ضحيتها  8 من رجال الأمن. ويحمل الحادث الأخير عددا من الدلالات والأسئلة عن أسباب العودة النشطة للإرهاب في تونس، وتعدد مجموعاته، كما يحمل عددا من الأسئلة والقضايا التي سنحاول تناولها في هذا التحليل من “نافذة على الحدث” .

فاصل مهم وأسئلة متعددة

يُعد الحدث الأخير نوعيا ومؤشرا حيال عودة جديدة للإرهاب في تونس، لعدد من الأٍسباب يمكن إيجازها فيما يلي:

  1. عملية تفجير العاصمة الأخيرة هي السابعة لتنظيمات الإرهاب في تونس خلال هذا العام 2018، مما قد يُرشح ليكون الأكثر عنفا بين الأعوام الأربعة الماضية، فقد شهد كل من عام 2016 و2017 ثلاث عمليات فقط، وقد يتفوق على العام 2015 الذي شهد سبع عمليات، عبرت فيه جماعات الإرهاب عن وجودها وخطرها في تونس، وخاصة في عملية متحف باردو في 25 مارس 2015، والتي راح ضحيتها 59 سائحا وثلاثة عشر من رجال الأمن، ولا تزال تعد الأسوأ في تاريخ الإرهاب في تونس، مع هجوم منتجع سوسة في يونيو من العام نفسه، والذي استهدف فندقين في وقت واحد وراح ضحيته ما يقرب من 39 قتيلا حينها.
  2. ويمكن القول بأن العملية الأخيرة تأتي في سياق أزمات متعددة، سياسية واقتصادية، وخلافات الطبقة السياسية، سواء بين الأحزاب المختلفة، أو داخل الحزب الواحد، ويفصل مع سياق تراجع الإرهاب وصحوة الإجماع والتوافق الوطني عام 2016 ضده.
  3. تتأكد نوعية وخطورة العملية من زمان ومكان الحادث الذي وقع في قلب العاصمة، وعلى بعد أمتار قليلة من مبنى وزارة الداخلية، وبعد يومين من خطاب زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، بخصوص الوضع السياسي المتأزم في البلاد، وأقل من شهر على المؤتمر الصحافي الذي عقدته هيئة الدفاع عن المثقفين الراحلين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.
  4. تفجر العملية مجددا سؤال التونسيات في تنظيمات التطرف العنيف، فقد نفذت العملية الإرهابية سيدة ثلاثينية تدعى “منى قبلة” تبلغ 30 سنة، بتفجير نفسها، وهي تنحدر من منطقة زوردا في سيدي علوان التابعة لمحافظة المهدية، والتي لم تكن هناك أي معلومات عن ارتباطها بأي جماعة إرهابية، أو موجودة في قوائم المطلوبين الحكومية، أصيب جراءه 15 أمنيا وخمسة مدنيون بينهما طفلان، ولم يسقط قتلى، مما يُعيد بقوة سؤال يقظة الخلايا النائمة وإشكالية العناصر النسائية- وبخاصة التونسية- وفعاليتها في جماعات التطرف العنيف.
  • 800  تونسية انضموا للمقاتلين في سوريا والعراق

لم تكن مُنى قبلة وحدها، فحسب تصريحات لوزير المرأة التونسية سميرة مرعي أمام البرلمان التونسي في 4 ديسمبر سنة 2015 بلغ عدد التونسيات اللاتي انضممن لجماعات متطرفة في سوريا حوالي 700 سيدة فقط ويصل به البعض الآخر إلى 800 سيدة بعضهن معهن أطفال، ويبلغ عدد التونسيات الداعشيات في ليبيا وحدها حوالي 300 سيدة وسط ألف أخريات من جنسيات أخرى .

وقد تمكنت قوات الأمن في وزارتي الداخلية والحرس الوطني التونسيتين في فبراير (2018) من تفكيك شبكة لتجنيد سفر التونسيات إلى داعش، كانت تتخذ من مدينة صفاقس مقرا لها، ولوحظ أن أعمار من قبض عليهن بين ال 22 و29 سنة.

وحتى هذه اللحظة فإن عدد التونسيات فى صفوف تنظيم داعش غير معروف بدقة، وفى مايو الماضى أكدت القاضية روضة العبيدي رئيسة الهيئة التونسية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، أن المرأة التونسية فاعلة في الجرائم الارهابية حيث إنهن يشغلن مناصب قيادية في تنظيم داعش الإرهابي مثلها مثل الرجل، لافتة إلى أن عدد النساء الإرهابيات غير محدد بدقة، وأشارت إلى أن الموقوفات فى جرائم إرهابية حاليا لا يتجاوز عددهن العشرة، وأن 40 فى المائة من المتورطات فى الإرهاب لهن مستوى جامعى.

  • 6500 مقاتل تونسي انضم للتنظيمات المتطرفة، ومنع خمسة آلاف آخرين:

فضلا عن أنه تنشط في تونس العديد من الجماعات الإرهابية، مثل جند الخلافة في تونس، التابعة لداعش، وكتيبة عقبة بن نافع التابعة للقاعدة في المغرب العربي، والجماعة الإسلامية المسلحة وكتيبة الفتح التابعة لها وجماعة أنصار الشريعة الإرهابية وبعض المجموعات الصغيرة، إلا أنه مما لا شك فيه أن خطر الإرهاب يتصاعد في تونس، مع تزايد موجات عودة المقاتلين التونسيين في داعش من سوريا والعراق، حيث كانت نسبة المقاتلين التونسيين في المقدمة، وبلغت حوالي 6500 مقاتل تقريبا، بينما أوقفت الجهات الحكومية في تونس 5000 آخرين كانوا يرغبون في السفر إلى سوريا والعراق سنتي 2014 و 2015 وكما بدأ هؤلاء من المقيمين في الغرب ينشطون في التخطيط والتنفيذ والتوجيه في دوله، ينشط من عاد منهم لوطنه الأم كذلك في التخطيط لاستهدافه واستنزاف قواته وأمنه.

  • إرهاب الكتروني وشبكة تجنيد واسعة:

بينما تزداد وطأة الأزمة السياسية في تونس، وتتفكك التحالفات الكبرى وتنتهي فترة الوفاق بين الحزبين الكبيرين، النداء والنهضة، ينشط في مسارب ومختلف ولايات تونس شبكة واسعة من التجنيد للشباب والفتيات في التنظيمات المتطرفة، كما تنشط الدعاية الإلكترونية التجنيدية والتحريضية في هذا الاتجاه.

وقد لوحظ أنه قبض في تفجير العاصمة الأخير على ثلاثة أفراد بتهمة المشاركة فيه، وقد تمكنت فرقة الأبحاث والتفتيش للحرس الوطني بسيدي بوزيد يوم الاثنين 29 أكتوبر ، من القاء القبض على شاب عمره 24 سنة من قاطني المدينة، وبالتحري معه صرح أنه يتبنى الفكر التكفيري ويتواصل مع عناصر متطرفة، داخل وخارج ارض الوطن، اضافة الى تعمده تنزيل تدوينات ودعوات تطالب بمسيرة مليونية، إلى جانب صور “تمجد التنظيمات الارهابية وتنظيم داعش الارهابي وتحرض على الإرهاب بحسابه الخاص عبر شبكة التواصل الاجتماعي فايسبوك” .

هكذا، عاد الإرهاب مجددا ليمثل التحدي الأول لتونس، بعد فترة تراجع نسبية في العامين السابقين، ولكن تبدو روافده ممكنة في ظل الأزمة السياسية والاقتصادية الكبيرة، وكذلك مع نشاط واسع لشبكات التجنيد له والتحريض الإلكتروني ضد الحكومة والاستقرار فيها.

[1]حول هذه الاتهامات تمكن مراجعة الرابط التالي في 2 أكتوبر سنة 2018

[2] انظر قناة الحرة في 4 ديسمبر سنة 2015 

[3]انظر اليوم السابع بتاريخ 15 فبراير سنة 2018  

[4] Soufan group, Beyond the Caliphate, report in Oct.2017,

print

PDF 140KB