نظرية الفسطاطين وعدمية المتطرفين

ليس بمقدور الخطاب المتطرف أن يشتغل إلا بفعل خاصيتين جوهريتين بالنسبة له: أولًا أن يكون خطاب أزمة، وثانيًا أن يعمل على ترويج المقاربات التبسيطية الضحلة، أما الخاصية الأولى فهو يلجأ إليها نظرًا لافتقاده لأي مشروع جاد لإعطاء بدائل عما ينتقد ويُدين، ولهذا فتمطيط الأزمات يعطيه فرصة حتى لا يكشف خواء جعبته الاقتراحية، وأما الخاصية الثانية فلأن مثل هذه الخطابات تتصف بشعبوية خرقاء تستغل العواطف، لذلك فإن فرصها للإقناع تتم على الخصوص بين تلك الجموع التي ينقصها التعليم المتين، أو كفاءة التحليل والنقد، ولهذا فإن ما يقدّم في العادة لهؤلاء من أفكار مبتذلة تكون في الواقع أكثر مما تستطيع عقولهم من استيعابه أو ضبطه، وهكذا تتضافر النبرة العدوانية في خطاب التطرف مع الضحالة الشعبوية كي تعطيه قابلية هائلة للانتشار الوبائي كلما سنحت له فرصة لذلك، خصوصًا حينما يتخفى وراء خطابات وشعارات أخرى تسمح بجعله بضاعة مهرّبة فاسدة تؤذي العقول، وتسمم المشاعر. ومن ضمن أهم البنى الخطابية التي تسمح بإفراز هاتين الخاصتين، هو ذلك التقسيم المانوي البدائي، الذي يجعل العالم فسطاطين؛ واحدًا يمثّل دون غيره الخير المطلق، والآخر يعبّر عن الشر الشيطاني الذي لا يحمل داخله أي نور. إن هذه النعرة التبسيطية التي سادت في أشكال متعددة والتي تنظر إلى الوجود كسلسلة لا متناهية من الحروب بين الطرفين، هي في الواقع ما يكرّره المتطرفون في خطاباتهم دون أن يتفطنوا إلى أن ما يروجون له، إنما هو تقليد بائد ما عاد أحد يأخذ به، لكنهم مع ذلك حريصون على استغلال هذه الإثنينيّة ليجعلوا أتباعهم يعتقدون أنهم قد جُندوا في إطار معركة كونية يرتهن بها مصير العالم، وأنهم يمثلون الخير والنور في مقابل كل الناس الذين لا ينتمون لتنظيماتهم، والذين يقفون في صف الشيطان، ويدافعون عن الشر، وينشرون الظلمات. إنه تصور خطر للغاية بقدر ما يستطيع أن يبث في القلوب من ضغينة ومن حماسة لمعاداة الآخرين، والسعي إلى تدميرهم وتصفيتهم. هذا التقسيم الثنائي للعالم إلى فسطاطين يطبع المتطرف بشكل جلي في سلوكه:
  • إن ذلك يجعله شخصًا عدوانيًا لا يستطيع استيعاب ضوابط الحوار والتواصل؛ لأن كل الآخرين يتبدون له في صورة كائنات شيطانية تريد به شرًا، ولهذا فما يكرهه المتطرف في الناس هو في الواقع ما يسقطه عليهم من صفات لا توجد حقيقة إلا في ذهنه. إن المتطرفون الذين يصعب معالجتهم من داء الفكر المتطرف، أو الذين يدّعون الرجوع عن أفكارهم ثم ينفذون أعمالًا إرهابية بعد حين سببه -في رأينا- يعود إلى تلك العدوانية الناجمة عن ثنائية الشر والخير التي لا تحتاج إلى مبررات واقعية كي ترسخ في عقول المتطرفين، بل هي موقف مسبق يجعل من أي اشتباه لدى المتطرف فرصة للإعلان عن الكراهية والحقد والدعوة إلى العنف.
  • كما أن ذلك يوقع المتطرفين في الجهل المركب، الذي لا يكتفي بالافتقاد إلى المعرفة الصحيحة بالآخر، وإنما يركّب معرفة زائفة حوله، فيجعل المتطرف جهله راسخًا غير قابل للشك فيه، لهذا نرى أن خطاب التطرف لا يتوقف عن تصيد أي حادثة كشاهد إدانة للآخرين، وعوض أن يبذل جهدًا لتبين ما لدى الناس وفهم مقاصد كتباتهم وإشكالياتهم ومثار نقاشاتهم، نجده يكتفي بالتنقل السطحي وغير المتعمق بين أطروحاتهم، حتى أننا قد نجدهم يجمعون بين ما هو في الواقع طرفا نقيض على المستوى الفكري، ويضعون في خندق واحد من هم فرقاء أيديولوجيين، وذلك بكل بساطة لأن الجهل المركب القائم على الكراهية، وشيطنة الآخر تجعلهم يفتقدون القدرة على التمييز الواضح لتفاصيل الأطروحات المتباينة في خضم النقاش الفكري المعقد، الذي لا تناسبه القراءات الكسولة التي تعتقد أنها بلمحة سريعة يمكنها أن تفهم الأبعاد الثقافية المعقدة للمواقف الفكرية. إن الاعتراف بالآخر كشريك معرفي كامل الأهلية، وبذل الجهد للخروج من التحيز الأيديولوجي الضيق، هو وحده ما يمكن أن ينقذ المتطرف من جهله المركب.
  • وتأتي نظرية الفسطاطين سبب في اليأس الغالب على المتطرفين، يكفي أن نقرأ ما يقولون وما يكتبون، لكي نفهم مدى رفضهم القطعي بأي مشروع إصلاحي، حيث لا يرون الحل إلا في الدفع نحو مواجهة كونية تنتهي بدمار عظيم، وهذا الدمار والمذابح التي يتوعدون بها الأعداء، هي في رأيهم رسالة إلهية -حسب رأيهم- عليهم ألا يسمحوا لأحد أن يصدهم عنها؛ إذ أن كل خطاب يدعوا إلى الوفاق و السلام هو بالنسبة إليهم مؤامرة من الفسطاط الشيطاني، الذي يسعى إلى تعطيل المواجهة الحربية مع كل بلدان العالم التي تعد ضرورة لأجل تحقيق النصر للخير وللنور. إن الحرب بهذا المعنى هي العبادة المركزية للمتطرفين، وتعني بالضرورة القتل والدماء بمعتقدهم، وموت الأبرياء، وانهدام الدول وما سيتتبع ذلك من خوف وجوع وفقر وضياع وتيه وآلام لا تُحصى، ومع ذلك فالمؤمن بنظرية الفسطاطين لا يرى كل ذلك إلا مخاضًا مؤلمًا لا بد منه يسبق تولد عالم الخير المنتظر، الذي يتوهم المتطرف بأنه ينبعث من عالم حطمته المواجهة الكونية. هذا التصور الكارثي والقيامي لمستقبل العالم ليس ابتداعًا للمتطرفين.