مكافحة التطرف كواجب إنساني

يُخل الفكر المتطرف عامدًا بالعقد الإنساني الأصيل بين الفئات المجتمعية المختلفة، ويخرج ضحاياه من التحضر إلى الهمجية، وحينما يتجرأ المتطرف على المنظومة القيمية والأخلاقية من حوله فإنه يزيد على قتامة فكره ضحالة أخلاقية تجعل من الضروري تبيانها وكشف حقيقة ما يتبناه من خطابات وما تتضمنه تلك الخطابات من محاولات شديدة الخطورة في تشويه الواقع واستلاب كل مسببات نجاحه، بل ومحاولات جماعاتها وتنظيماتها تقويض فرص تطويره ونهضته، وفي ذلك نقاط عدة نوجزها في التالي:

• أولًا: إن كل من يتساهل في التفريط في ملكاته الفكرية والأخلاقية لصالح جماعات وتنظيمات تمثل حواضن للإيديولوجيات المتشددة، ويقبل أن يسعى إلى قتل وهج الحياة، يُجرم في حق ذاته أولًا قبل إجرامه في حق الآخرين، ويقتل طواعية قيم النبل في فؤاده، مُعوضًا إياها بضغائن يحملها تجاه كل آخر مختلف، مُنغمسًا في مبررات تعفيه زيفًا من مسؤوليته على ما آل إليه من انفلات قيمي وأخلاقي، رافضًا الاعتراف بخطئه، ومُنخرطًا بشكل تام في دوائر الفكر المتطرف وأجندات جماعاته وتنظيماته، ليصبح في الأخير مهما توارى خلف شعارات دينية أو إنسانية عنصرًا هادمًا لكل مسارات الإعمار في الأرض التي تتفق على أهميتها جميع المعتقدات والقيم على اختلاف صورها وأشكالها.
• ثانيًا: يدرك المتطرف يقينًا أن فكره وسلوكه يتعارض بشكل مباشر مع كل النصوص الدينية، التي مهما حاول تطويعها أو اجتزائها أو إخراجها عن سياقاتها ومدلولاتها الفقهية والإنسانية، فإنها حتمًا تكشف زيف دعواه، وتبرز كم الانتهازية التي ينغمس فيها عامدًا لصالح تحقيق أهداف هي أبعد ما تكون عن حقيقة ما يروج له من خطابات وما يتداوله من مزاعم ومظلوميات، ليسقط أمام نفسه أولًا ثم أمام مجتمعه الذي كلما ارتفع وعيه كلما كان قادرًا على تلمس هذه الحقيقة وتبيانها.
• ثالثًا: ينتهك المتطرف بسلوكه وفكره كل إمكانات المجتمع من حوله، مشوهًا مسارات تطوره ونهضته، ومن هنا تكمن خطورته وحتمية مواجهته ومكافحة خطاباته حماية لباقي فئات المجتمع وحقها في التقدم والتنمية، وليس الانخراط في إيديولوجيات تهدف جماعاتها وتنظيماتها في المقام الأول إلى نشرها، لتقويض كل فرص المجتمع المُستهدف في البناء والتطوير والنهوض بأجياله الحالية والمقبلة، وتوفير كل مُمكنات استقراره واستمراره.
• رابعًا: يرتكب المتطرف أيضًا جريمة بحق الإنسانية جمعاء، خاصة وأن كل أفكاره ترتكز على إنكار المكاسب الحضارية، والانزلاق بالمجتمعات نحو التوحش، فبينما تسعى الحضارات إلى تطوير الوضع الإنساني وجعله أرقى أكثر فأكثر، يدفع المتطرف دائمًا بما يتبناه من فكر إلى بث الفتنة في المجتمع المحيط به، والتشجيع على انتشار المشاعر العنصرية والعدائية التي لا يتوقف على إعلانها، بل والعمل على الترويج لها عبر خطاباته ومنصاته ضد كل مجتمع يستهدفه.
• ختامًا: إن خطر المتطرف يتجاوز حد إلحاق الضرر بذاته نحو العمل على تدمير مظاهر الحياة من حوله، وكل خطاب متطرف إنما هو في الأخير فخ يبحث عن ضحاياه بين الفئات العمرية المختلفة، خاصة تلك التي يسهل استلاب مُمكناتها التي قد توفر لها فرصًا للتراجع والاعتذار عن كل ما اقترفته من جُرم في حق نفسها أولًا، وفي حق مجتمعاتها ثانيًا، ما يستوجب مزيدًا من الجهود في نشر الوعي بمخاطر تلك الخطابات وتأثيرها المدمر على واقع ومستقبل كل ضحاياها، وبأهمية إدراك أن كل تعاون يُبذل في سبيل مكافحتها، إنما هو جهد لصالح مسارات الإنسانية كافة، ولصالح الإنسان أينما كان مهما اختلف لونه أو جنسه أو معتقده، ولضمان فرصه وحقه في الحياة وتطلعه الدائم نحو تطوير واقعه والانطلاق به نحو مستقبل آمن ومستقر.