مرض التطرف والمشاعر البئيسة

ليس الحديث عن الدول والمجتمعات باعتبارها كيانات مجرد استعارة بلاغية، بل هي في الواقع تعود لحقيقة طبيعية ووظيفية قابلة للقياس وللمتابعة الكمية والكيفية، ولهذا يمكن القول إن مكوناتها الاجتماعية والمدنية والسياسية؛ وقائع ملموسة تتشكل من قوى ومن أعضاء ووظائف، تملك أسباب الصحة حين تتوافر كل مقوماتها، ويمكن أن تصاب بأمراض مزمنة مثلما هو الحال بالنسبة للشيخوخة الديموغرافية التي تعاني منها مجتمعات عدة، في مقابل مجتمعات أخرى تتميز بالقوة والشباب والحيوية، أو بأمراض طارئة تتربص بالكيان الاجتماعي المدني، والتطرف هو أحد أهم هذه الأمراض، التي يمكن أن تصيب المجتمعات ليس لأسباب بنيوية مثلما هو حال الأمراض المزمنة، بل لعوامل عرضية تنتج أحيانًا من مناخ دولي عام، يخلق ظروفًا لتنامي مثل هذه الظاهرة.

وإذا عُدنا لفكرة الكيان الاجتماعي وعلاقته بمخاطر التطرف كوباء طارئ، فيمكن القول إن آلية عدوى هذا المرض تقوم على تسميم كتلة المشاعر التي تعتمل داخل هذا الكيان، فهي أشبه ما تكون بمرض الكآبة الذي يتسرب بشكل تدريجي إلى الفرد المصاب، بقدر ما يستسلم هذا الفرد إلى المشاعر البئيسة، ويوفر لها الخلفية النفسية والفكرية التي تساعد على تناميها؛ وهنا نستنتج أن التطرف هو حالة كآبة سوداوية تصيب جزءًا من الكيان الاجتماعي والمدني، ويمكن أن تنتشر فتعطل فيه شغف الحياة، ولهذا من المهم دراسة التطرف كظاهرة مرضية فكرية؛ باعتبار أن الإيديولوجيات المنحرفة التي تقوم بالغطاء الفكري بالنسبة لظاهرة التطرف، هي مجرد تركيبة تتداخل فيها الأفكار والانفعالات والخيالات، ومن الضروري نقضها فكريًا لوهنها؛ فهي مجرد انطباعات مبنية على رؤى وشعارات وتصورات معلبة، قائمة على أخبار مجتزأة ومخادعة تخدم رغبات سيئة النية، ولهذا يجب أن تكون موضوعًا للتحليل النفسي وللمناظرة الفكرية، فالتطرف يتكون من مشاعر فاسدة تنتج أفكارًا متهافتة، ومن هنا تكون خطورته في قدرته على الانتشار، إذا لم يجابه بيقظة تحمي الصحة النفسية والفكرية للكيان الاجتماعي.

تنمو مشاعر التطرف على منوال الفيروسات، التي تستهدف تدمير المنظومة المناعية، بالتمكن تدريجيًا، لتسيطر على الكيان الاجتماعي، حيث يبدأ التطرف بأفكار محدودة تحمل مشاعر سامة، لتشويه المشاعر الأخرى السليمة، مستغلة الغيرة الوطنية، والأحاسيس الدينية وغيرها من المشاعر القيمية، وتحويلها إلى انفعالات قاتلة تملأ وجدان من يقع في شباكها، ثم يعمل دعاة التطرف على انتشارها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتصبح وباءً خطيرًا داخل المجتمع، ومن أهم تلك المشاعر المرضية ما يلي:

  • أولًا: مشاعر عدم الثقة التي ينشرها التطرف حيال مصداقية المجتمعات، حيث لا يتوقف المتطرفون عن اتهام ذمم الناس وتدمير ثقتهم في مصادرهم الرسمية للحقيقة، وعلى رأس هذه المصادر العلماء الأكفاء، الذين يُحولون في خيالات التطرف إلى مجرد أداة تضليل وإخفاء ومؤامرة، ولهذا ينبري المتطرفون إلى تقديم بدائل تظهر بمظهر العلماء، من خلال ادعائهم العلم بالدين ليفتنوا المجتمع بفتاوى دموية في استسهال غير مسؤول، يستبيح دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، فيجر ذلك المجتمعات -إذا لم يعالج- إلى فقدان التحصين الديني، مما يفتح الأبواب أمام أمراض اجتماعية خطيرة، كما أنهم يعملون على تشويه صورة العلم فتنتج أشباه علوم زائفة تنافس الطب والصيدلة والفلك وغيرها من العلوم، مما ينجم عنها معارف شائهة، إذا ما أتيح لها المجال لتتضخم وتصبح إعاقة اجتماعية حقيقية، تمنع الناس من الثقة في العلماء الفعليين، مما يسهل عملية سقوطهم في قبضة التطرف، من هنا ضرورة تحصين المؤسسات المعنية بالفكر والمعرفة داخل المجتمعات ضد حملاتهم التضليلية، وتمتين ثقة الناس فيها، وتسهيل تواصلها مع مختلف الشرائح الاجتماعية.
  • ثانيًا: المشاعر الحزينة هي أيضًا أحد مداخل كآبة التطرف، إذ يمكن القول أن كل متطرف يمتلئ بإحساس سوداوي يقتل فيه شغف الحياة، يتمثل في انتظار الكارثة، ولا يمكن أن نستثني في هذا المضمار أيا من الإيديولوجيات المتطرفة، فجميعها تنظر إلى العالم من زاوية تراجيدية، حيث تنتظر في تصلب متشنج مواجهات مدمرة كبرى ما بين قوى الخير وقوى الشر، ومعركة كارثية تنتظر لا محالة البشرية، تسيل فيها الدماء، وتتهاوى الحضارات، وهو ما يمنع نمو مشاعر الرغبة في التعايش والتعاون، بل يمحو حتى أحاسيس الإبداع في البحث عن حلول للمشاكل، وكلما بادر أحد باقتراح مشاريع عملاقة لمواجهة التحديات، يقف المتطرفون ضده، ويسعون إلى نشر الإحباط بين الناس، ومنعهم من تصديق إمكانية النجاة من الكارثة، وهكذا تغلب مشاعر عدم الأمان بدلًا من الطمأنينة والثقة، وعدمية القيمة عوضًا عن الاجتهاد والطموح، وهو ما يشجع المشاعر الانتحارية لدى المتطرفين، ويغري بالموت الذي يحاط بهالة من القداسة الوهمية، على حساب المشاعر الصحية الفطرية تجاه الحياة والمستقبل، وهذه الأوهام المتورمة ترياقها مرة أخرى المعرفة السليمة، لأن فهم حقيقة المشاكل والتحديات، ومنع الوقوع في شبكة منطق النهايات الكارثية هو ما يمكنه أن يؤسس لمشاعر الأمل الصلبة، والثقة في فعالية الجهود، والتمييز بين التشخيص الموضوعي وبين الأوهام المدمرة، وهنا عوض أن يصبح الموت هو الخلاص الوحيد، سيكون العمل والجد والإبداع والحياة الواعية المسالمة والمتعاونة هي مفتاح الوجود السليم.
  • ختامًا: إن فقدان الثقة في مصداقية الحقيقة والترويج لسيناريوهات الكارثة المحدقة، هما آليتان نفسيتان تتسرب من خلالهما مشاعر التطرف إلى الأفئدة، فيفقد الواقع في متاهات التطرف المرجعية السليمة في رؤية الأشياء وفهمها، والرغبة في الجد والعمل والطموح، وكذلك الأمل في المستقبل، لتكتمل مقومات المرض لديه، ويقع في كآبة تتحول بدورها إلى مجال حيوي لمشاعر سلبية أخرى، من هنا تأتي ضرورة العناية بكتلة المشاعر السائدة بين الناس ومؤشراتها، للحيلولة دون أن يغلب عليها الطابع السلبي، لأنه كلما اختلج شعور سلبي في نفس فرد ما، إلا وكانت شباك التطرف متربصة به، لتجره إلى مشروعها الدموي البئيس، لذلك فإن الوعي والطموح والأمل هي أحد أهم مضادات التطرف الأكثر نجاعة، التي يجب علينا أن نحميها بكل السبل من تلاعبات خطاب التطرف.