مداخل التطرف والاستقطاب الشامل

ليس التطرف آفة موقوفة على دين دون آخر، ولا مشكلة تهم عمرًا بعينه على خلاف الفئات العمرية الأخرى، وهو أبعد من أن يكون ظاهرة مرتبطة بجغرافية محددة أو ثقافة خاصة، إنما هو خطر يتهدد كل هذه المجالات والفئات دونما تمييز أو استثناء؛ لأن التطرف في عمقه هو ذلك التشوه الذي يطال كافة الأنساق الفكرية والثقافية والقيمية، فيعمل في انتهازية واضحة على استعمال نفس المفردات والمرجعيات والنصوص لكي يبرر اختيارات مرفوضة في الأصل من كل هذه الأسانيد، وأمر كهذا يمكن أن يصيب أي ثقافة وأي فئة عمرية بدون تمييز.

ولهذا نعتقد أنه من الخطر أن نأمن الانزلاق نحو التطرف اعتمادًا على اطمئنان مسبق، فكثيرًا ما وجدنا أن هذه اللوثة الفكرية والسلوكية تُصيب على حين غرة من  لم نتوقعه عرضة لذلك، بحيث قد يتورط فيها العديد من فئات المجتمع المستقرة، فتدفع بهم إلى ارتكاب أبشع الاعتداءات على أنفسهم وأهاليهم ومعارفهم المقربين، ولهذا لا يجوز أبدًا الاعتقاد أن الشاب وحده عرضة للتطرف دون الكبير في السن، ولا أن الذي يعاني من أزمات اقتصادية هو الأسهل في الاستقطاب دون من هو في وضع اجتماعي أفضل، ولا أيضًا أن الأكثر تعليمًا هو الأعلى حصانة حيال التطرف من الأمي غير المتعلم، وكذلك أن المرأة باعتبارها الأكثر ميلاً للحفاظ على قيم الاستقرار، في منأى من الوقوع في قبضة الجماعات المتطرفة مقارنة بفئة الذكور، إن متابعة ظاهرة التطرف على امتدادها الزماني والمكاني، تجعلنا على يقين من أنه لا أحد من فئات المجتمع المختلفة بمنجاة من الوقوع في التطرف، وتبني أفكاره ورؤاه، وذلك أحيانًا عن غير وعي ولا قصد.

إن استراتيجية التنظيمات المتطرفة تقوم في جزء أساسي منها، على دفع الناس إلى الاعتقاد بأنها تدافع عن مقدساتهم وعن مصالحهم، وهذا الخلط الماكر بين التطلعات الإجرامية وبين المشاعر الجليلة المتعلقة بالدين والوطن والفضيلة، قد ينطلي على بعض العقول التي تجد نفسها منخرطة في صف التطرف دون أن تعلن ذلك صراحة، ولكنها تفعل ذلك من خلال التركيز على الموضوعات التي يروج لها دعاة التطرف، وخصوصًا عبر تكرار مقولاتهم بشكل حماسي، دونما الانتباه إلى ما يستتبع ذلك من مهالك للفرد وللمجتمع، وهنا يكمن الفرق بين الاعتدال والتطرف، في أن الاعتدال يزن مواقفه بميزان العقل واحترام الثوابت، وتقدير توابع ما يردده أو يفعله على المجتمع من حيث استقراره وسلمه، وعدم التطاول على الأنظمة والقوانين المعتبرة، بينما خطاب التطرف في نزقيته غير الصريحة، أو في صورته الدموية العنيفة لا يضع في الاعتبار سوى احتدام الانفعالات والمزايدة على المقدسات بشكل أهوج، دونما اعتبار للصلاحيات، أو لما يترتب على خطابه من مهالك ومفاسد، وهذا ما يجعله يتورط في إحداث أضرار قاصمة لمجتمعه تحت مظلة الإصلاح والخطابة الغوغائية، والشعارات الفضائلية الزائفة، وللتطرف مداخل متعددة لكل الفئات المجتمعية المختلفة عبر استراتيجية استقطابية ماكرة، تتمثل فيما يلي:  

  • أولًا: من مداخل التطرف نحو فئة الشباب استغلال اندفاعهم الحماسي، وضعفهم أمام وهم البطولات، فيعمل على استثارة الحمية المزيفة في أنفسهم، فتراه يروج لمظالم مغلوطة، ويربط الظواهر بأسباب غير حقيقية، مستغلًا حماستهم وانسياقهم وراء أوهام المثل البطولية؛ وذلك على خلاف من يرى الأمور على واقعيتها، وهو ما يحجبه خطاب التطرف عن الشباب، ولهذا غالبًا ما يشعرون حينما ينزلقون إلى حواضن التنظيمات، ويصلون إلى الخرائب التي يتخفون فيها خلف قياداتهم، أن تلك الحماسة لم تكن في محلها، وأنهم عبارة عن رهائن في يد قادة الموت في هذه المنظمات الإجرامية، يفعلون بهم ما يشاؤون، ويستحلون دماءهم وأعراضهم، ويلقون بهم كحطب في لهيب ما يشعلونه من حرائق الفتنة والدمار، ولعل شهادات الناجين من هذه القبضة المجرمة، مستودعًا للكثير من المعطيات حول الوجه البشع للتطرف ولوحشيته المتخفية حتى حيال أتباعه.
  • ثانيًا: كما أنهم يستهدفون فئة النساء باستغلال إحباطهن العاطفي والاجتماعي، وقد تكشفت هذه الاستراتيجية على وجه الخصوص من خلال الشهادات التي أدلت بها بعض النساء المغرر بهن، عبر وعود كاذبة صورت لهن الانتماء إلى التنظيمات المتطرفة كمعوض زائف عن أسرهن المفككة، أو عن تطلعاتهن البسيطة نحو الاستقرار العائلي، ولا يذخر المتطرفون جهدًا لاستدراج النساء الأكثر هشاشة على المستوى العائلي أو الاجتماعي، من خلال استراتيجيات الاستقطاب المختلفة ومنها التأثير العاطفي عبر الجمل المسكوكة، والأساليب التأثيرية النفسية الأخرى، ويُشكل الوصول إلى المرأة تهديدًا للمناعة الأمنية للمجتمعات، لأن للمرأة دور مهم في صون الحياة من خلال مهامها العظيمة، ولها أهمية واضحة في حماية قيم مجتمعها، وصناعة الأجيال المقبلة.
  • ثالثًا: يندس التطرف إلى فئة كبار السن وقد يصل إلى الكهول والشيوخ من خلال اللعب على وتر الميولات المحافظة، بحيث لا يتوقف المتطرفون عن الظهور في صورة الغيارى على الأنماط التقليدية في الحياة، وكذلك على إدانة كل مستجدات السلوكيات الاجتماعية، وهو ما يحول الميل المحافظ الطبيعي بالنسبة لهذه الفئة العمرية، إلى نوع من المشاعر المتطرفة التي تتقاطع مع الخطاب العنيف الذي تتبناه التنظيمات المتطرفة، ومن المؤكد أنه من الصعب استقطاب هذه الفئة العمرية إلى الانتماء التنظيمي، نظرًا لعوامل السن وكذلك لالتزاماتها الاجتماعية والعائلية، ولكن مجرد أن يُساعد هؤلاء بالدعم المالي لمساندة مشاريع تُخفي نواياها الفعلية خلف أقنعة الأعمال الخيرية، أو الترويج لبعض المواد المتطرفة المتوارية وراء قضايا زائفة، فإنهم يقدمون بذلك خدمة كبرى لهذه الجماعات، نظرًا لأنهم يملكون استقرارًا ماليًا أكثر مما لدى الشباب، ثم بسبب جديتهم وقيمتهم الاعتبارية، التي تُضفي على المواد المتطرفة المتخفية نوعًا من المصداقية الأخلاقية.
  • رابعًا: لا يقتصر التطرف على استهداف الفئات السابق ذكرها، بل قد يتلاعب أحيانًا ببعض المتعلمين، حينما يقدم نفسه في صورة مشروع فكري يُساجل ويُناظر مشاريع أخرى، وهو لا يقدم في هذا الصدد سوى معارف هجينة لا أصل لها، سواء في الثقافة التقليدية أو الثقافة المعاصرة، لكن الطابع التبسيطي والقدرة على الترويج التضليلي على مستوى الشبكات الرقمية، تجعل خطاب التطور المزيف يستميل بعض المتخاذلين فكريًا الذين يكتفون بالمختصرات السطحية، معتقدين أنها تغنيهم عن ما لا يُنال من المعارف إلا بجهد العلم والمعرفة، فتراهم ينساقون خلف السجال الخصامي الذي يُخفي وراء ضَجيج الجدال والمزايدات البلاغية مدى البؤس الفكري لخطاب التطرف، فيسقط في حبائله الكثير.
  • ختامًا: من المهم أن لا نأمن التطرف على أي واجهة وعلى أي فئة مجتمعية، فهو يشتغل على جميع الأصعدة بداية من صغار السن ونهاية بالكبار، ولحسن الحظ أن أغلب الناس والمجتمعات أصبحت على وعي بخدائع التطرف وأساليب دعاته التضليلية، الذين أصبحوا يعيشون إفلاسًا واضحًا في السنوات الأخيرة، لكن الحكمة تقتضي الحذر واليقظة الدائمة منهم، والعمل على بناء المزيد من الوعي المجتمعي نحو خطورتهم وخطورة أفكارهم التدميرية، خصوصًا وأن العالم مُقبل على نقلة رقمية كبرى، تجعل عملية التواصل أعمق.