مخاطر تغيير المتطرف لمفهوم الحرية

تُربك الازدواجية تفكير المتطرف حتى درجة متقدمة، فتحُول دون قدرته على تحقيق إدراك واضح بالمفاهيم، والتي تتضخم في خطبه وشعاراته، ولهذا نجد المتطرف –أحيانًا – يُطالب بالشيء ويريد ضده، ويستعمل مصطلحات متداولة، لكنها سرعان ما تخضع في ذهنيته المتضاربة إلى عمليات تحويل وتشويه، تنتهي إلى إفراز دلالات تناقض أصل المفهوم ومقاصده، ولعل أشهر وأخطر هذه المفاهيم، مفهوم الحريّة، وفيه:

أولًا: على عادة الحركات التي تتخيّر الشعارات الأكثر تحفيزًا وشحنًا، لا ينفك المتطرف على تصوير نفسه كمحرّر للشعوب، وهو بذلك يعتقد أنه إنما جاء ليمنع تعبيد الناس لغير الله كما يزعم، فيرتكب من الجرائم أشدها وأقبحها، ويؤجج التوترات والضغائن أينما حل باسم شعارات براقة سرعان ما ينفضح زيفها، ويتبين بطلانها، بل ويتضح في نهاية المطاف أن المتطرف يتحدث بما لا يعرف.

ثانيًا: اعتقاد المتطرف بأن الحرية هي التملص من كل مقتضيات الانضباط، وأنها تمكّن الإنسان ليكون قاض على نفسه؛ يحكم ويُدين ويُقرّر ويتصرف خارج كل الأطر المجتمعية بعيدًا عن أي متابعة أخلاقية أو قانونية، أوضبط إجرائي، إنما هو خلط مبدئي بين الحرية والفوضى، وبين الاستقلالية والانفلات الذي يؤدي إلى رفض المنظومة المجتمعية، وما يترتب عن هذا الرفض من مخاطر تتخفى وراء خطابات المتطرف الوهمية، التي تروج لعبارات أخرجت عن سياقها، فتحوّلت إلى الضد الدلالي لمعانيها الأصلية.

 ثالثًا: يغيبُ عن المتطرف أن حرية الإنسان هي فضيلة علائقية، يلزم أن تستحضِر الآخر، وأن تضع التزاماتنا وواجباتنا حيالها في الاعتبار، فهي ليست كما يدّعي تحللًا من كل رابط أو عَقد أو عهد مع الآخرين، أو التصرف برفض القانون، وعدم احترام مؤسسات الدول؛ وإن قولًا كهذا يقصد به المتطرف حل عُرى الاجتماع البشري من الأساس، لتصبح المجتمعات بفعل ذلك رهينة بطريقة تفكير المتطرف وحده، دون ضابط أو مرجع، فتصيبها هشاشة تفتح الأبواب أمام كل المخاطر على استقرارها واستمرارها، وبهذا تتحوّل الحرية في منطق المتطرف إلى عامل هلاك للإنسان، عوض أن تكون قيمة عليا تكرّس إنسانيته، وتُقوي روحه المواطِنة، وحسه العقلاني المتزن، لأن ما يدعيه المتطرف بالحرية، هو في واقع الحال فوضى، تلغي شروط الحرية من الأساس.

 رابعًا: لا يريد المتطرف أن تكون الحرية الإنسانية سلوك مؤطر بضوابط مرجعية، وأن هذا لا يتحقّق إلا من خلال مؤسسات تحظى بالشرعية، وتتصف قراراتها بالإلزامية، فكما لا يعود لحرية الشخص أن يمنح نفسه شهادات جامعية بعيدًا عن الجامعات نفسها، وما يقتضيه ذلك من جهد واجتهاد وانضباط، فكذلك الأمر بالنسبة للشأن الديني والاجتماعي والاقتصادي وغيرها من الشؤون العامة المشتركة بين الناس، إذ لا يُعقل أن يمنح الناس أنفسهم باسم الحرية أن يغيروا ضوابط القانون، أو قواعد التبادلات التجارية وغيرها من الأفعال التي تدخل تحت طائلة القانون. لهذا، فإن الحرية هي القدرة على التصرف غير المتعسف أو الاعتباطي، وهذا أمر لا يتحقّق إلا في إطار المؤسسات وقواعدها المرجعية، وحين يسعى المتطرف إلى المساس بالمؤسسات الشرعية باسم الحرية، فإنه يقوّض بذلك شرط الحرية وإطارها الطبيعي، ويعوض استقلالية الإرادة باعتباط الأهواء.

خامسًا: إن المتطرف حينما يُحاول ممارسة الحرية بعيدًا عن مقتضيات المؤسسات، فهو في الغالب ما يقع في فخ التنظيمات المؤدلجة التي تُصادر منه حريته واستقلاليته باسم الانضباط التنظيمي، وسرية العمل “الجهادي” المزعوم، وهو بهذا المعنى لا يعمل سوى على الخروج عن طوع إجماع بلاده باسم الاستقلالية والحرية، ليتحول إلى مأمور يُقاد من طرف تجار التطرف، حيث تصادر منه حرياته الأساسية، ويفقد أهليته في اتخاذ القرارات، إلى أن يتحوّل إلى أداة يفعل بها التنظيم المتطرف ما يشاء، بما في ذلك سلبه حياته نفسها، بل وجعله عدوًا لنفسه ولأهله ولوطنه، وعلى هذا الأساس؛ وباسم الحرية المزعومة يفعل المتطرف دون وعي، كل ما في وسعه لكي يفقد حريته، ويقع في مخاطر مضرة به وبالمجتمع من حوله.