دُعاة التطرف والبُعد الجنائي

لا يجد دُعاة التطرف غضاضة في الانغماس وسط دوائر الجريمة على اختلاف أشكالها وصورها، سعيًا نحو إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالفئات المجتمعية المُستهدفة خصوصًا صغار السن، سواءً من حيث محاولات استقطابهم وتجنيدهم وتحريضهم على ارتكاب عمليات عنف وإرهاب، أو حتى استهداف أقرب الناس إليهم من والدين أو أشقاء، أو من حيث توريط هؤلاء الصغار في مسارات الجريمة وتشويه ثوابتهم نحو أخرى منحرفة، كإغراقهم بالمخدرات تعاطيًا أو اتجاراً، أو استغلالهم جسديًا، دون أي اعتبارات لكل الشعارات المزيفة التي يروجون لها في خطاباتهم المخادعة، ونُوجز هنا ما يُشير إلى ذلك:

  • أولًا: إن الشواهد تُقدم دلائل على أن الجماعات المتطرفة تورطت بشكل مباشر في الاتجار بالبشر وبالمخدرات وتهريب البضائع وتزوير العملات، وتكسب الأموال من طلبات الفدية على الرهائن الذين اختطفتهم، بل وتاجرت في القطع الأثرية والتحف الفنية رغم كل ما يُصرح به دُعاة التطرف من أحكام تحريمية حيالها، ولم يسلم منهم طفل ولا شيخ ولا امرأة كلما كان وراء ذلك ربح أو نفوذ، إلا أن خطورة دُعاة التطرف مقارنة بغيرهم، هو تضليلهم للناس في ترويج خطاب مفاهيمي إيديولوجي يمنح للأتباع والمتعاطفين تبريرات تجعلهم يضفون قداسة دينية على ما يقترفونه من جرائم، وبهذا فإن فرص الندم والتوبة عن الفظاعات التي يرتكبونها تظل معدومة أو ضعيفة للغاية مقارنة بغيرهم، وهذا ما يؤكد استحكام روح الجريمة في دُعاة التطرف.
  • ثانيًا: ترتكز خطط دُعاة التطرف دائمًا على استخدام التشويه والتضليل لعقول الأتباع، بحيث يدفعون ليأخذوا شكلًا من أشكال التقديس، كأن يقدموا أنفسهم كمرجعيات -كذبًا- في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلاقات الدولية…إلخ، بما يُرسّخ في قناعة الأتباع عدم الحاجة لمعرفة أي شيء خارج شبكة الجماعة المتطرفة التي يُنظر من خلالها إلى العالم، وهذه الخطط تجعل ردة الفعل لدى أتباع دُعاة التطرف تقتصر على توجيه التكفير والتفسيق لكل مختلف أو رافض، لذا فإن النقاش مع أمثال هؤلاء يُصبح غالبًا مستحيلًا، لأنهم يعتقدون بأن أي رافض لأفكارهم ومقولاتهم وما يصدرون من أحكام هو مجرد شخص يُنكر ما لا يصح إنكاره مُطلقًا.
  • ثالثًا: يسيطر دُعاة التطرف على أتباعهم من خلال عمليات طويلة ومعقدة من الترويض التي يُخضعون لها الأتباع بطرق مباشرة أو غير مباشرة، والتي تتصدرها في الغالب عملية الإغراق بأحاسيس الكراهية، التي تتفاقم درجاتها حد التشفي والتلذذ بما يطال الناس عامة من كوارث، وتنتشر تلك الكراهية كعدوى وبائية بين الأتباع حتى يشعر التابع بقوة الانتماء والولاء لدُعاة التطرف بقدر ما يُشبعونهم بمثل هذه المشاعر البئيسة.
  • ختامًا: يُمارس دُعاة التطرف بث سمومهم كتجارة إجرامية داخل شبكات ومنصات التواصل الاجتماعي، أو الهوامش الجغرافية التي تُعاني الهشاشة المجتمعية، وهو ما يتطلب وعيًا جمعيًا بمخاطر نشر الفكر المتطرف، وبحتمية مكافحته عبر أدوات عدة من بينها بناء إستراتيجيات تستهدف بناء وعي جمعي حيال التعاون والتكاتف واليقظة المُستدامة في مواجهة محاولات دُعاة التطرف لاختراق المجتمع، أو تزييف الخطابات حياله، أو حيال مشاريعه التنموية أو خططه الحالية أو المستقبلية.