خطر الانغلاق الفكري

تتبدى خطورة الإيديولوجيات المتطرفة في أُحاديتها المطلقة ورفضها لأي فكر يخالفها، وهو ما يجعل أصحابها في حالة من العداء الدائم مع محيطهم، والانغماس في عوالم موازية يحاولون من خلالها الانغلاق على أفكارهم والابتعاد بها عن القراءات أو المراجعات النقدية التي يعتبرونها تطاول سيء النية يلزم الإدانة  المبدئية للقائلين بها، إما تحت عنوان الكفر أو الارتداد أو التآمر، وهكذا يتحول تعصب المتطرفين للقراءة الواحدة، عائقًا كبيرًا أمام المشاريع الإصلاحية في مجتمعاتهم، ذلك لأن كل إصلاح يقتضي بالضرورة القبول أولًا بدينامية العالم التي تتناقض مع أي تصور جامد للأشياء، ثم القبول ثانيًا بنسبية القراءات والمقترحات التي تدور مع طبيعة السياق، وتتغير حسب دواعي المستجدات، من هنا فإن عداء المتطرفين للحوار والتفاعل الإيجابي، هو في الواقع نتاج لعدم نضجهم للقبول بالتعددية الفكرية، وانحصارهم المرضي في أطر إيديولوجية مغلقة تحرص  جماعاتهم وتنظيماتهم على المبالغة في تحصينها، الحد الذي ترى فيه عناصرها أنه لا يوجد أي طرح آخر إلا ما يُلقن لهم على أساس أنه الحقيقة المطلقة التي لا يوجد خارجها إلا الضلال و الباطل والخطر، ولهذا فعوض أن يبذل المتطرف جهدًا في اقتراح قراءات جديدة، أو مشاريع مبتدعة، فإنه ينغمس في إدانة قراءات الآخرين وشيطنة مشاريعهم، والدعوة إلى نموذج واحد من القول والنظر والسلوك، ومن المفيد هنا توضيح التقاط التالية:
•أولًا: ضرورة العمل على تشجيع الحوار خصوصًا وأنه وبشكل تلقائي يكافح النزوعات المتطرفة التي لم تألف الاحتكام لهذا التمرين الفكري، وحينما نتوفق في ترسيخ أخلاق الحوار البنّاء بين أطراف كل اختلاف، فحينها سيبدو المتطرف بلغته المشحونة والعدائية شخصًا غريبًا ومقيتًا حينما يقارن بالنماذج الراقية من المتحاورين الذين يتعاونون فيما بينهم لكي يطوروا أطروحاتهم، لذا فالتوفق في بناء مثل هذه التقاليد الحوارية هو أحد أبواب الاعتدال الكبرى.
• ثانيًا: إن بلوغ مثل هذه الأنماط التفاعلية الفكرية، لا يعد أمرًا يسيرًا بالنسبة لكل صاحب فكر أحادي لايجد في الأصل حاجة لتبادل الرأي مع الآخرين، فهو منغلق على ذاته مستغنٍ عن غيره، ولا يمكن في هكذا حالة تأسيس ونشر قيم الحوار دون نشر وترسيخ لقيمه بين الفئات المجتمعية كافة، وجعل الفرد حاملًا لقابلية جوهرية لفتح الحوار البناء، وكذلك للقبول بمراجعة الأفكار وتطويرها، وهو ما يعطي مناعة حقيقية للأجيال الحالية والمقبلة ضد محاولات جماعات وتنظيمات الفكر المتطرف في تجنيدهم أو استقطابهم.
• ثالثًا: يمثل إظهار البعد التاريخي للمعرفة حماية من الوقوع في تلك الوثوقية القاتلة لكل استعداد للقبول بالتعددية، وهذا في الواقع ما يحاول المتطرفون إخفاءه وتجاهله، ذلك لأن الخوض في تفاصيل الظروف التاريخية للأفكار، وسرد التحولات الكثيرة التي طالتها، هو ما يظهرها في صورة وقائع تاريخية جرى عليها قانون الزمان وتغيراته، مما يعني أن كل فكر لابد وأن يقبل بهذا القانون على الدوام.
• رابعًا: إن  العرض التاريخي للأصول القديمة لأطروحات التطرف، بل والكشف عن الانتحالات الكثيرة التي يقع فيها وهو يروج لنفسه، ستكشف حتمًا مدى ضحالة التطرف الذي يحاول أن يضفي على مقولاته قداسة تجعلها فوق الزمان والمكان، وهذا ما يمكن للمقاربات التاريخية أن تبدده، وأن تفضح ادعاءاته.
• ختامًا: إن القبول بواقعية التعددية الفكرية في القراءة والتأويل، هو ما يمكنه أن يجنبنا الوقوع في ضحالة الفكر الأحادي، كما أن ذلك هو ما سيجعل من الحوار حاجة طبيعية لدينا، فيفتح ذلك أمامنا آفاق حياة حضارية دائمة الغنى والوضاءة والرقي، ويجنبنا الوقوع في انغلاق المتطرفين الذي يمثل فقرًا حضاريًا، ومهددًا لكل طموح مجتمعي نحو التقدم والبناء والتنمية.