خديعة التطرف ومعاداة الأوطان

يعيش المتطرف غربة طوعية، فهو منذ بداية استدراجه إلى فخ الإيديولوجيات المتطرفة يصبح ميالاً إلى التطاول على ثوابت مجتمعه وعائلته، ويجد متعة بئيسة في تتبع أي شبهة يروج لها دعاة الضغينة والكراهية، فيعمل على الترويج لها في حماسة مرضية، تلفت انتباه الأهل والأصحاب، وهم يرون خطابه قد أصبح عدوانيًا تجاه انتماءاته الأصيلة الأولى؛ وهكذا يكون أول مؤشرات التطرف الوَهَنُ والهشاشةُ في الروح الوطنية، وفقدان الإحساس القوي بوشائج علاقة الشخص مع أهله وصحبه ومواطنيه، مستبدلاً ذلك بمشاعر انتماء أقوى إلى جماعات وتنظيمات، تصور له نفسها على أساس أنها الملجأ والمأوى مما يراه جماعةً ضالةً، ومجتمعًا فاسدًا، وهو يقصد بذلك أولئك الذين ربوه صغيرًا، وعملوا على حمايته من كل سوء لما كان طفلًا لا يقدر لنفسه شيئا، فكيف يحدث هذا التشوه في مشاعر الفرد؟ وكيف تتمكن التنظيمات المتطرفة من غسل أدمغة ضعاف الأنفس وتحولهم إلى خطر مُحْدِقٍ بمجتمعاتهم؟

من المؤكد أن الشغل الشاغل للتنظيمات المتطرفة هو استقطاب الأتباع، وتحويلهم إلى آلة مُطيعة لأجل تحقيق تطلعاتهم الخبيثة، وأجنداتهم العدمية الدموية، لهذا فإن عدو هذه التنظيمات هو على وجه الخصوص ثوابت وتماسك المجتمعات واستقرارها؛ على اعتبار أن الفرد حينما يكون ملتحمًا بأسرته، منتميًا في حب وصدق لمجتمعه فهو يصبح بذلك محصنًا ضد استراتيجياتهم الاستقطابية، لهذا تراهم يسعون في إلحاح كبير على بث الشكوك والفتن والشقاق داخل المجتمعات، من خلال خطاب الكراهية والتأليب، وفي ذلك نقاط نوجزها في التالي:

  • أولًا: القناع الأول الذي تضعه الجماعة في سبيل إنجاح خطتها الاستقطابية، يتجلى في الترويج لكون محبة الأوطان تتناقض مع جوهر الأديان، حيث يعمدون إلى إقناع أتباعهم بأن الانتماء إلى الدين هو فكٌ للارتباط مع الانتماءات الواقعية والمجالية الجغرافية، في سبيل انتماء روحاني لا علاقة له بجغرافية أو بثقافة أو بلغة، ويبدو أن هذه الخديعة كثيرًا ما تنجح في دفع العقول الضيقة إلى الاقتناع بأن المرء هو بالضرورة مخير بين وطنه ودينه، وأنه لا مجال إلى حب الأوطان والأديان في نفس الوقت، وعلى الخصوص، وهذا أخطر ما يمكن تمريره عبر هذا القناع، أن الدين يبارك انفصال الناس عن أوطانهم وخيانتها ومعاداتها، باسم الوفاء للدين، لكنهم يغفلون أن الدين جاء مُتمِّما لمكارم الأخلاق، وأن جوهر هويتنا الأخلاقية تتشكل داخل مجتمعاتنا، فهي التي تحرص على تنشئتنا أخلاقيًا وقيميًا وفكريًا، وتعلمنا ما ينقلنا من عماء الطفولة إلى وعي النضج والرشاد، ولهذا فإن الالتزام بالقيم الأخلاقية للأديان لا يتم في الفراغ، بل إن محك صدقه وتحققه هو المجتمع ذاته، حيث يكون ممكنًا أن نمارس بالملموس بر الوالدين واحترام الجار وتقدير أصحاب الفضل وغيرها من الفضائل، أما حينما نهرب من مجتمعاتنا، ونلجأ إلى المخابئ المظلمة، وخرائب الدهاليز التي يتخفى فيها المتطرفون، فهناك يبتعد الشخص عن الفضيلة الدينية، ويكون أقرب ما هو إلى الهمجية والتوحش، فالوطن إذن ليس ضد الدين ولا هو مقابل له، بل إنه الأرض الخصبة التي يجربُ داخله كلٌ حسب سياق الانضباط للوازع الأخلاقي في ظل العلاقات الفعلية مع الناس، وليس مع الأتباع فقط.
  • ثانيًا: القناع الثاني الذي يخفي التطرفُ خلفه وجهَه البغيض، هو اختراع انتماءات وهمية ومثالية، يحاول أن يروج من خلالها إلى أن مشروعه الإجرامي إنما هو لأجل استعادة مجتمع مفقود ومفتقد، كان يشكل النموذج الأخلاقي الذي لا تشوبه شائبة، والذي تبدو أمامه المجتمعات جميعًا نماذج ناقصة متهمة في عقيدتها وفي أخلاقها، مما يجعلها تستحق أن تُنقض وتُهدم، لكي تُفسح لوهم عودة مجد تليد ومفقود، وهم في الغالب يقدمون بعض التجارب السياسية التي كانت مناسبة لعصرها، باعتبارها النموذج الأوحد للاجتماع الإنساني السليم، فتراهم مثلاً يروجون لفكرة عودة الخلافة باعتبارها الحصن الحامي، ولقد انتقل العالم إلى عتبة جديدة من التطور والتغير الذي هو ناموس الكون والتاريخ؛ وبالتالي إن ظهور الدول الوطنية كان استجابة لموعد مع التاريخ، وكل من ضيع هذا الموعد، لم يتمكن أبداً من اللحاق بركب الحضارة المعاصرة، فالأوطان الحقيقية الفعلية هي ما تحصرنا حدودها، ونحمل جوازات سفرها، ولنا داخلها حقوق ملموسة مقابل واجبات مضبوطة.
  • ختامًا: مهما يضع المتطرف من أقنعة، فإن أطروحته في معاداة الأوطان تسقط أمام الفطرة السليمة والأخلاقيات السوية، وهذا ما يضطر المتطرفين إلى العيش على هوامش مجتمعاتهم، وحين يتبادل المواطنون فرحهم بأيامهم الوطنية، يشرعون في نشر خطابهم البئيس والحاقد، الذي يزيدهم عزلة واستبعادًا من طرف الناس، فمن يكره وطنه يُعادي أهله، ومن يقع في مثل هذا الشعور لا يُمكن أن يستأمن على أمر، ولا أن يستبعد منه جُرمٌ، لأنه بذلك يفقد قوام المروءة الأخلاقية والغيرة الوطنية في نفس الوقت، ففاقدهما لا ذمة له ولا عهد.