حرب المعلومات والتأثير الفكري

حينما تتحول المعلومات الزائفة إلى أدوات سامة غايتها التأثير على استقرار المجتمعات، وخلق التوترات، ونشر الشبهات في سبيل استغلال أي هشاشة فكرية لتمرير أجندات حاقدة، غايتها التدمير وليس البناء، والتأثير العاطفي وليس الإقناع الفكري، فحينئذ تكتمل أركان البُعد الإجرامي لمثل هذه المعلومات، بحيث تُمثّل خطرًا على الأمن عامة، لكنها في الغالب لا تحقق ذلك إلا عبر اختراق وعي المجتمعات، وكثيرًا ما يلعب المتطرفون على ورقة المظلومية، كلما اصطدموا بإجراءات صد صلبه تمنعهم من التسلل إلى عقول المجتمع، ونفثِهم لضغائنهم المرضية حيال ثوابته وقيمه المركزية، لكنهم يتناسون أن جريمة التضليل المعلوماتية ونشر الإشاعات الكاذبة، هي أمور لا ترتبط بالفكر، بقدر ما هي شأن جنائي، يتقاطعون فيه دُعاة التطرف مع جرائم النصب والاحتيال؛ لأن المجال المعرفي عمومًا والفكري على وجه الخصوص، ليس أرضًا سائبة يصح لأي كان أن يستغلها دون ضوابط وأُطر قانونية، على الخصوص لأن الرأسمال الرمزي والثقافي للشعوب، يكتسي قيمة مصيرية بالنسبة إليها، وهذا يقتضي حمايته من تلاعب المتلاعبين، ومن التزييف والاستغلال السيئ، ولهذا فإن اصطدام المتلاعبين والمضللين بترسانة من القوانين والأنظمة التي تُفشل مشاريعهم الخبيثة، هو دليل صحي على اليقظة الأمنية في المجال المعلوماتي. لقد أصبح مطلب الوعي بالمخاطر المعلوماتية والتوعية بذلك مسألة بالغة الإلحاح، بقدر ما تطورت وسائل التضليل الرقمية، وسهُّل الوصول إليها، إلى درجة أن حرب المعلومات الزائفة أصبحت توجه عملياتها بنفس الجدية مع العمليات القتالية الاعتيادية، فهناك حرب تضليل موازية لكل بؤر التوترات، وسيكون من غير المناسب استصغارها أو استسهالها، لأن قدرة الفكرة الزائفة على إحداث الأضرار ربما هي أكثر خطرًا من الأسلحة التقليدية، ولهذا فإن الفكر المتطرف لا يُمثّل خطرًا فقط بأسلحته التقليدية، أو طرقه الإجرامية، بقدر اعتماده على الغدر والاعتداء على الآمنين من الناس، بل إن خطر الفكر المتطرف القائم على إستراتيجيات التضليل لهو الخطر الأشد والأكثر نفاذًا، وذلك لأن العمليات الإرهابية رغم دمويتها المتوحشة، تظل محدودة الأثر زمانًا ومكانًا، لكن الأفكار المتطرفة حينما تتلبس صور المعتقد والسياسة فإنها تتحوّل إلى ما يشبه السلاح البيولوجي الذي يبث أمراضه في مساحات شاسعة، وعلى مدى طويل من الزمن، لذا علينا أن ندعم سياسة اليقظة تجاه حرب المعلومات الزائفة والتي تُمارس من تحت أقنعة كثيرة، وهذا يقتضي قبل كل شيء حماية ثوابتنا الوطنية من كل من تسوّل له نفسه التلاعب بها في مخططاته الدنيئة.