جودة الحياة وسيلة لمكافحة التطرف

تعتبر الحياة من أكبر نعم الله علينا، فمن خلال حراكها عبر مختلف الكائنات الحية في هذا العالم، يرتسم أفق واسع وشامل من أنماط  الوجود المتفاعل والمتشابك، لأنه عبر وجود تلك الكائنات الحيّة عمومًا تتحقق يناعة ونضارة الحياة، وهذه الأخيرة تصل لدى الإنسان إلى أعلى درجات الأهمية والرُقي، فهو وحده من ضمن جميع الكائنات الذي يملك وعيًا وعقلًا ومسؤولية أخلاقية، تؤهله لكي يتحمّل أمانة الحياة داخل هذا الكوكب، ولهذا فقد مثّلت العناية بالحياة وصونها وتدبيرها، المدخل الرئيس لكل فعل أخلاقي سليم بحيث نكاد أن نقول، إن تعريف الرذيلة هو بكل بساطة أي فعل يُمثّل اعتداء على الحياة، وأن الفضيلة هي قبل كل شيء التصرّف بما يتناسب مع الحياة الكريمة التي تليق بالإنسان، ومن هنا يمكننا القول أن التطرف والإرهاب هما أعداء مُعلنين للحياة، يفتقدان لشرط الأخلاقية، ويتموقعان في جانب الرذيلة بعيدًا عن مجال الفضيلة.

إن كل عداء للحياة أو تعريض لها للخطر، هو خيانة للأمانة وتنصّل من العقد المدني الإنساني الذي يميّز الكائن البشري في أبعاده الحضارية، عن حياة الكائنات الحية الأخرى، التي لا يمكن بأي شكل أن نُحمّلها أي مسؤولية أخلاقية، ولهذا فإن المتطرف الذي يختار تبديد الحياة بشكل عدمي، وتشجيع المشاعر الانتحارية لدى أتباعه، لا يتصرف وفق التمييز والحس الأخلاقي، لأنه تخلّى عنهما باسم أفكار مغلوطة ودموية.

وبهذا المنطق يمكننا القول أن العناية بمقومات الحياة هو ما يجعلنا قادرين على مواجهة استراتيجية المتطرفين، لأن كل انتصار لمقومات الحياة هو وقوف في وجه ثقافة الموت التي يروجون لها، وهذه العناية يمكن أن تتحقق في أكثر المقومات شمولية وكونية، كما يمكنها أن تتحقق في أكثر المقومات خصوصية، وفي ذلك نقاط نوجزها في التالي:

  • أولًا: تبدأ العناية بالحياة من صون وحفظ العناصر الطبيعية، فكل القضايا الإيكولوجية التي ترتبط بحماية الطبيعة وعناصرها الأساسية من التلوث ومن خطر الانقراض، هي تعبير عن دعوة لتحمل المسؤولية الأخلاقية تجاه الحياة، ومقاومة لعوامل التدمير التي لا يرى فيها المتطرفون في الغالب إلا فرصة مناسبة لهم كي يشيعوا بين الناس أحاسيس الخوف من النهايات الكارثية للحياة، وبالتالي ضرورة التخلي المسبق عنها، وهذا المنطق القرباني نراه مشتركًا بين الكثير من الجماعات المتطرفة، حيث نراهم يفرحون بالكوارث الطبيعية في حالة من التشفي الغير أخلاقي، ويرون في ظلال الموت شاهدًا على اقتراب ساعة انتصارهم المزعوم، لهذا من المهم أن نجنّب الناس الوقوع في هذا المنطق الكارثي، ونجعلهم يرون في التحديات الإيكولوجية فرصة جديدة، لكي يُظهر الإنسان إبداعه ومسؤوليته الأخلاقية الجليلة.
  • ثانيًا: تتجلى العناية بالحياة من خلال ترسيخ حالة الوعي الإنساني، لأن الحياة لا تتكشّف في عمقها إلا حين خروجها من الظلمة نحو نور العقل، فملكة العقل هي ما يسمح بنقل الحياة من مستوى الطبيعة إلى مستوى الحضارة، ومن دركات البدائية والهمجية إلى مراقي القيم الإنسانية الأخلاقية، ولهذا نجد المتطرفين يتصرفون كما لو أن العقل أداة شيطانية ينبغي محاربتها وتجريمها، فتراهم ينشرون الشك والارتياب حول جدوى العقل وقدراته، ويشيعون الخرافات والحكايات الخيالية لأجل تبرير اختياراتهم الضالة، ومن هنا كلما أمعنّا في تمتين الثقافة العقلانية في حياتنا، إلا وكان ذلك حائط صد لمشروع المتطرفين، الذين يميلون إلى الأوهام ضدًا عن العقل، ويعتبرون الكثير من الجهالات التي ينشرونها، بديلًا عن المعارف الصلبة ذات الموثوقية العقلانية.
  • ثالثًا: تكون العناية بالحياة أيضًا حينما نُشجع قيم الجمال في حياتنا اليومية، ونمنح لأبنائنا الأدوات الكافية لكي يستطيعوا التمييز بين الجمال والقبح، فتنمية الحس الجمالي لدى النّاس، تجعلهم مُقبلين على الحياة، وتحصنهم ضد الهشاشة حيال خطاب الكآبة البئيس الذي يروج له المتطرفون، الذين يتصيّدون كل لحظة صعوبة فيضخمونها، ولهذا فإن الاستسلام للبؤس هو في الغالب البوابة الكبرى والمباشرة نحو التطرف والإرهاب، فالجمال هو احتفاء بالحياة، وهو قدرة على الإنصات لنبضها وتفاصيلها المُبدعة، وهذا ما يجعل القادر على إدراك مواطن الجمال كائنًا حريصًا على الحياة ومحترمًا لها، ومحافظًا عليها، ومن هنا ضرورة إشاعة قيم الجمال عبر فضاءاتنا العامة، وداخل منازلنا ومدارسنا، لأن هذا المظهر البديع واللائق هو ما سيذكرنا دومًا جميعًا بجمال الحياة، وذلك حينما يحاول المتطرفون رفع شعاراتهم بتبخيسها وتبئيسها.
  • ختامًا: يمكن اعتبار احترام الحياة هو المحك للتمييز بين النزوع نحو التطرف أو الاعتدال، فبينما يعادي المتطرفون من حيث المبدأ الحياة ولا يرون ضيرًا في المغامرة بها وتبديدها وتدميرها، يتعامل المُعتدل معها بكل إكبار وتقدير، ويسعى إلى صونها متحمّلًا مسؤوليته الأخلاقية التي ميزه بها الخالق عن الكائنات الأخرى، وهذا ما يجعل التطرف جوهريًا انزلاقًا نحو كل ما من شأنه أن يُعتبر جحودًا لنعمة الحياة، لأن الاعتداء على الحياة هو مساس بجذرِ مناط التكليف والتشريف بالمسؤولية الأخلاقية للإنسان.