تفاقم خطاب الموت في الفكر المتطرف

يتضخم خطاب الموت لدى التنظيمات المتطرفة بشكل مرضي خطير، إذ أنه يتفاقم إلى أن يصبح هوسًا انتحاريًا تُضفي عليه جماعات هذا الخطاب وتنظيماته هالة من القداسة المزعومة، خصوصًا حينما نراهم يتغنون بسفك الدماء ويدفعون ضحاياهم من صغار السن تحديدًا نحو الانتحار، زعمًا أنه فعل مُقدس، رغم أن كل العقائد السماوية تعتبره اعتداءً شنيعًا على أمانة الحياة، وهو ما نوجز أسبابه في النقاط التالية:
  • أولًا: ما يجعل المتطرف عدوًا لكل مظاهر الحياة هو خوفه المرضي من حتمية مسؤولياته التي تقتضي بالضرورة نضجًا نفسيًا وفكريًا يجعلانه قادرًا على أن يفهم تحديات ما يواجهه في الحياة على أساس الواقع الذي يعبر به علماء النفس عن تحصيل قدرة الفهم المنطقي للممكن والمستحيل في كل مساراتها، إلا أن ما يعيشه المتطرف في الغالب هو وضع شبيه بالحالة المرضية خصوصًا وهو مُنغمس في خطابات مليئة بالعداءات الوهمية والعوالم المتخيلة التي تدفعه دائمًا نحو النزوع إلى الانتحار أو الإقدام عليه على اعتبار أنه فعل مقدس، وهو ماتعمد تلك الخطابات إلى تشويه وعي ضحاياها خصوصًا صغار السن منهم من خلال هكذا ضلالات، لتكون جماعاتها وتنظيماتها هي في الأخير حواضن لكل فعل تدميري وعدائي حيال مظاهر الحياة والإنسانية عمومًا.
  • ثانيًا: المتطرف بهكذا معنى هو كائن يفتقد إلى كل مقومات النضج الفكري والقيمي، وهو ما يبدو في تبنيه أفكار تدور في معظمها حول الموت والتدمير والتخريب والفتن، لذا فإن الإغفال عن مكافحة خطاباته أو تجاهل ما قد تتسبب فيه من مخاطر إيديولوجية وسلوكية على نفوس ضحاياها خصوصًا من صغار السن، يقوض في جُل الحالات من طموح المجتمعات نحو التقدم والبناء والاستقرار، ويهدد من قدرات المجتمع في بناء أجيال قادرة على احترام القيم الإنسانية أو التفاعل الإيجابي مع غيرهم في سبيل تحقيق تطلعاتهم ورؤاهم الآنية والمستقبلية.
  • ثالثًا: إن عدم النضج الفكري الذي يعانيه المتطرف ينعكس بالضرورة على كل ما يطرحه وما تتضمنه خطاباته من مزاعم، ما يجعله عاجزًا عن تقديم أية حلول واقعية للمشاكل التي يوظفها في تأليب الناس، أو يعمد من خلالها إلى زرع الفتن والأزمات في المجتمعات التي يستهدفها، فلا هو بالذي يمتلك تصورًا واضحًا حيال مزاعمه، ولا هو بالقادر على القيام بفعل البناء، لذا فهو يختار طريق التقويض والهدم كمسار رئيس له، عِوضًا عن شعوره الدائم بالعداء لكل ما يدعو إلى الحياة أو تنميتها.
  • رابعًا: يستشهد الخطاب المتطرف في ترويجه لمزاعمه حيال رفضه للحياة، ببطولات معكوسة وزائفة يوظفها خصوصًا في تشويه وعي ضحاياه وتغييب قدراتهم على اكتشاف مدى عدمية مشاريع جماعاته وتنظيماته التي ينخرطون بها، فلا يتساءلون عن القصد من إغراق هذه الخطابات بأفعال التدمير والقتل، ولا يتساءلون ما إذا كانت هذه الأفعال هي غاية في ذاتها، أم وسيلة لتحقيق هدف آخر؟!
  • ختامًا: إن فعل التطرف بشكل عام هو فعل غير قابل للتبرير، فهو سلوك فكر مثاره ومداره التدمير وسفك الدماء وإشاعة الموت بين الناس، وهو تصور عدمي لا يليق بالإنسان السوي المعتدل الناضج في فكره ورؤاه، وإن حالة انغماس خطاباته في الكراهية والوعيد والدموية دليل على أنه فعل يرتكز على مشاعر بئيسة لا تحتمل البقاء تحت ضوء الشمس ونورها، وهو ما يتطلب تعاونًا مجتمعيًا لكشف زيفه ومزاعمه، وحماية الفئات المختلفة خصوصًا صغار السن من مخاطره ومهدداته.