الوصاية الأخلاقية وخطر انتشار التطرف

ينضج الشخص بقدر وعيه بأن العالم هو أكثر اتساعًا من أن يجري تنميطه بحيث يشبه بعضنا بعضًا، وبأن احترام حتمية الاختلاف هي أحد علامات هذا النضج والمحرك الذي يعزّز قدرة الإنسان على التفاعل والتعايش مع غيره، بعيدًا عن محاولات فرض إملاءات تصل أحيانًا حد الوصاية على الآخرين بمزاعم أخلاقية أو مذهبية أو عرقية، والتي تدفع في الأخير نحو التطرف والتدمير الصريح لكل القيم الإنسانية، وتقويض محاولات بناء أجيال قادرة ومؤمنة بالتعايش والاعتدال والتفاعل الحضاري والعلمي والفكري مع غيرها من المجتمعات، وفي ذلك نقاط عدة من بينها:

  • أولًا: من أبرز سمات الرشد والنضج، هو إلزام أنفسنا بضوابط ومقتضيات المجتمع الذي نتواجد به، وهذا التوازن بين الاستقلالية والالتزام، هو ما يمنح المجتمعات استقرارها، ويمنح الأفراد مجالًا حيويًا لكي تتفتح ملكاتهم المعرفية والجمالية والأخلاقية.
  • ثانيًا: إن التناغم والانسجام بين الفرد والمجتمع، هو ما يسمح بتمتين وتوطيد الشعور بالانتماء، وبالنظر إلى الحياة الاجتماعية كحاضنة تسع الجميع، فإن ذلك يدفع كل فرد نحو حتمية احترام خصوصية الآخر، وتبادل التقدير معه، وهو في الأخير ما يُشجع على حصول ما يمكن دعوته بالصداقة المدنية بين الجميع، والتي حتى دون أن يكون الفرد على معرفة شخصية بالطرف الآخر، تفسح له بفعل هذا الوئام في نفسه مجالًا مُؤطرًا بالمشاعر الإيجابية، وذلك على خلاف إذا ما انهار هذا الانسجام، وبات الحذر وسوء النية، والسعي إلى الوصاية والإقصاء هو القاعدة في التفاعل بين الناس، تحت ذريعة المذهب أو الطائفة أو العرق، حينئذ تسود الإيديولوجيات المتطرفة، والمشاعر السلبية، وتطغى العدوانية على علاقاتهم، وتعّوض المغالبةُ والمخاصمةُ الروابط بين المواطنين.
  • ثالثًا: إن خطر من يحاول فرض وصايته على الآخرين بزعم تفوقه الأخلاقي، وعلى الخصوص انطلاقًا من تأويلاته الخاطئة للنصوص الدينية، إنما هو يداري من وراء ذلك هوسًا بالتدخل في حياة الناس، والذي لا محالة يجد فيه متعة خاصة، لأنه بقدر ما يحُط من قيمتهم، بقدر ما يستشعر أفضليته وتعاليه على ما يعتقده انحطاطًا ومنكرًا يسقط فيه الآخرون، وخطر هذا النوع من السلوك يكمن في تطرف صاحبه وإضفاء صفة القداسة على نفسه، ما يتسبب في وجود حالة من التنافر فيما بينه وبين محيطه من المكونات المجتمعية المختلفة.
  • رابعًا: إن محاولات فرض الوصاية على الآخرين من قِبل أفراد غير ذي صفة، إنما هو في الأخير ترسيخ للتطرف والعنف والفوضى، وتقويض لكل المكونات والمنجزات المجتمعية، الأمر الذي يجعل من كل المكونات المجتمعية شريكًا مهمًا وضروريًا في مكافحة ومعالجة مثل هكذا سلوكيات وأفكار.

ختامًا: يمكن القول، إن النضج الفعلي الذي يحتاج في الواقع إلى جهد وتعاون، يكمن في القدرة على الموازنة بين ما يعود لنا القرار فيه، وما يعود للمجتمع الحسم فيه، بعيدًا عن الأفكار المتطرفة والوصايات غير المؤطرة بالقانون والمؤسسات، وعن الانفلات التائه من كل مسؤولية أخلاقية أو قانونية.