المقاصد الجمالية في مكافحة التطرف

إن التصرف حيال ضرورات الحياة من مأكل ومشرب، والبحث عن سُبل السلامة من مهالك العنف، لا يرقى رغم أهميته القصوى ليشكّل نجاحُه حضارة كبرى، فهذه الأخيرة لا تنجلي ملامحها الواضحة، إلا بعد أن يتجاوز الإنسان مستوى احتياجاته الأساسية، لينفتح على آفاق أعلى في مراتب الوجود وأشكال الحياة، ولعل هرم ماسلو لتراتبية الاحتياجات يقدّم صورة واضحة على مختلف درجات الحياة الإنسانية، التي تبتدئ بما هو فسيلوجي صرف، لتصل إلى تطلعات تحقيق الذات عبر المشاريع الكبرى التي يمكنها أن تترك بصمة متميزة على المجال الذي يعيشه الفرد، وتنطلق منه ممارساته الإبداعية.

بهذا المعنى يمكن القول أن الإبداع يتربع على قمة الحياة الإنسانية، لذا فإن ما يصمد أمام عوامل الزمن ليشهد على عظمة الحضارات، ليس فقط في ما حققته تلك الحضارات من نجاح في تدبير الحياة اليومية وتحقيق المنافع المُلحَّة بل في تلك اللمسات الجمالية التي أضافتها على ما أُنشئ أول الأمر لتحقيق وظائف عملية محددة، أي ما يتجاوز البُعد النفعي الخالص نحو مقاصد جمالية إبداعية، فمثلًا ما هو المُبهر في الأسوار والقلاع التاريخية القديمة؟ إنه ليس فقط مدى متانتها وفاعليتها في صد الأعداء ومنعهم، أو في تحقيق الحاجة إلى الأمن، وإنما معمارها وإبداع مهندسيها وفنانيها، ومدى تناغمها وانسجامها تعبيرًا عن تداخل الجمال والفعالية ضمن عمل عامل واحد، هو في ذات الوقت منشأة حياتية وعمل فني إبداعي.

هذا الحس الجمالي الفريد لدى الإنسان، والذي يجعله حين يتجاوز المعنى الحسي الطبيعي للحياة، يُحَوِّل كل مهامه إلى فرصة يوصل من خلالها رسالة إبداعية عبر العصور، ما يمثّل في الواقع مفتاح البُعد الحضاري في الحياة الإنسانية، الذي يرقى ويتطور تبعًا لرقي الحضارات ذاتها، لذلك فإن تعطيل هذا الحس في الإنسان، أو عدم دعمه وتشجيعه، هو في ذات الوقت تعطيل للحضارة نفسها، مما يحيل حياة الإنسان إلى مجرد سلسلة من التعامل مع الاحتياجات البسيطة، والتصرف لإشباعها في دورة ضيقة من الحياة تتكرّر بشكل مستمر، دون أن تُفسح أي فرصة للتفكير في ماوراء اللحظة، أو فيما هو أبعد من الحاجة.

إن الجماليات هي ورقة المشاعر المرتبطة بالتفاعل مع الأعمال الإبداعية، وتشجيع الجهود التي تُعنى بالجانب الفني في كل ما يحيط بنا من تفاصيل تهم المكان، وكذلك التصرفات اليومية، كل ذلك ليس مجرد زوائد ولواحق للحياة الإنسانية يمكن الاستغناء عنها على اعتبارها من الأمور الثانوية التي لا يضر أبدًا غيابها، بل على العكس إنها جوهر وجودنا الحضاري، وأي تهاون في رعايتها وتشجيعها، يمكن أن يخلق تبلدًا في أحاسيس الناس يجعلهم لا يولون أي قيمة للواجبات الحضارية، بل يختزلون حياتهم في مجرد العناية بأدنى واجبات الحياة، ويمكن أن يسمح ذلك لأعداء الحياة من المتطرفين، أن يجعلوا مثل هذا التبلد الجمالي مدخلًا لتمرير رسائلهم المشيطنة للحياة و للجمال، ولكل من يسعى إلى الإعلاء من قيمهما.

يدأب المتطرفون على تقديم أنفسهم على أساس أنهم حماة الفضيلة، وأن قيمة الخير هي وحدها ما يحوز اهتمامهم، ومن خلال هذا الإيهام يحاولون إقناع الآخر بوجود تعارض بين الخير والجمال، فإذا كان الأول ضمان للحياة الملتزمة بدواعي الأخلاق وواجبات الفضيلة، فإن الجمال في مقابل ذلك -حسب رؤيتهم- هو نافذة الغواية والفتنة التي يبث منها الشيطان وساوسه وأضاليله. من هنا، فهم يشنّون حملة على الفنون الجميلة تحت ذريعة حماية الأخلاق والخير، محاولين صرف الناس عن كل ما من شأنه أن ينمي ذوقهم الفني ويطوّر حسهم الجمالي، متناسين أن المعتقدات الدينية والروحية اهتمت بالأبعاد الجمالية، فليس هناك من آلية تعبّد في العقائد السماوية إلا وهي مدعومة بأحد صور الجمال، سواء في بلاغتها التعبيرية، أو في مظهرها الخارجي أو المكان الذي تتم فيه، لذا كانت المعابد ذاتها عبر تاريخ البشرية هي المكان الذي يسعى فيه الإنسان إلى أن يعبّر عن معتقده من خلال الجمال، ويتفنن في تجسيده حد الارتياح

لكل ما سبق، فإن تشجيع الفنون الجميلة، والدعوة إلى الاحتفاء بالجمال في كل مسارات حياتنا، وتربية أطفالنا على تذوق الأعمال الفنية الراقية، من خلال العناية بالمتاحف والمعارض التي تُسهّل الاقتراب من الأعمال الخالدة، وإدماج البُعد الفني في مخططات مدننا وشوارعنا ومنازلنا، كل ذلك يعتبر تحفيزًا للشغف بالحياة وإيقاظًا للهمّة الحضارية والإبداعية، وضمنًا يتحول ذلك إلى رسالة مضادة لخطاب التطرف الذي يمنع الجمال ويضيّق عليه.