المتطرف هو العدو الأول لأي نجاح

تتغذى الأفكار المتطرفة على الأزمات، الحد الذي لايمكن لأي خطاب متطرف أن يتجاوز حالة الأزمة ذاتها نحو البحث عن حلول، أو قبول الاندماج في رؤية جماعية تهدف إلى الخروج منها، لذا فإن خطابات تلك الأفكار والتي تعد عنوانًا رئيسًا لما يؤمن به أصحابها، غارقة دائمًا في مفردات الإقصاء والكراهية، بل ورافضة بشكل مطلق لتوظيف حتى اللغة في – أبسط حالاتها – كوسيلة للتواصل الإنساني، فتتعمد تحويل أطروحاتها إلى عبارات عنيفة ضد كل مختلف معها في الفكر والمعتقد، لذا فإن تعاطي الفكر المتطرف في مجمله مع الأزمات، إنما هو تعاطي المستفيد منها، وليس الباحث عن حل لها، فيسقط أصحاب هذه الإيديولوجيات في فخ الاحتدام الانفعالي، إما على صورة خطاب كراهية قصوى تجاه ما يجِدُّ من أحداث تأتي مع الأزمة، أو في صورة تضخم  يتجسّد في خطابات طوباوية تضحي بالواقع لصالح الوهم والتخييل المرضي للعوالم البديلة، وهكذا نجد أنفسنا حيال سلوكين إزاء الأزمة، إما التوجه الإصلاحي المستند إلى المشاريع المؤسسة بشكل عقلاني معتدل وفي احترام تام للممكن وغير الممكن، أو توجه اندفاعي وانفعالي يراهن على خطاب التشدد والتطرف، وهو التوجه يبدو عبر نقاط، من أهمها:

أولًا: المتطرف هو المستفيد الرئيس من وراء انتشار الأزمات، لذا يتعمّد حملها معه أينما حل، لإدراكه أنها شرط لوجوده ومبررًا لخطاباته ومفاهيمه، الحد الذي يتعمد فيه استمرارها وتضخيمها بل وإضفاء القداسة عليها، لتكون في الأخير غطاءً لتمرير إيديولوجياته التي يروّج لها كبديل استثنائي لما تواجهه المجتمعات من أزمات، ومن هنا تتبدّى غرابته التي تصل في مستويات معينة إلى درجة واضحة تظهر من حين لآخر كتعبير عن أمل زائف ومُضلل، يروّج له عبر تنظيمات وحواضن إلكترونية وإعلامية متعددة، رغم أنه يمثّل في الواقع تدميرًا لأي مشروع واقعي للإصلاح.

ثانيًا: إن المتطرف هو العدو الأول لأي نجاح، خصوصًا وأن هذا الأخير هو مُهدد للخطابات والإيديولوجيات المتطرفة التي تهدف في الأساس إلى نشر الإحباط واليأس، وأيضًا لأن النجاح المجتمعي بشكل عام وفي مختلف مناح الحياة من تقدّم وتنمية ونهوض هو أنموذجًا واقعيًا يُحبط مزاعم المتطرف ومحاولاته المتكررة في إيهام ضحاياه أن أي نجاح يتحقّق لابد وأن يكون رهن بالتزام الفرد أو المجتمع بخطاباته وأفكاره المتطرفة، لذا يصر على مهاجمة مظاهر النجاح، ويتعمّد تجريدها من مسبباته، وإغراقها بالكثير من عبارات التشنيع والاحتجاج، والترويج لفشل أصحاب هذا النجاح، فيما يظهر واقع المتطرف نفسه انغماسه حد التغييب في الرفض والإقصاء والعنف والكراهية، وكل العوامل التي هي المسبّب الرئيس لأي فشل على المستوى القيمي أو الفكري أو الإنساني بشكل عام.

ثالثًا: إن المتطرف وفي تفكيك لجوانبه السيكولوجية إنما هو فرد لا يرى في الحياة سوى ذاته المتضخمة، ولا يقر أي نجاح إلا من خلال أفكاره، ويعيش ضمن حواضنه، في حالة يمكن وصفها بأقصى درجات التوحش الإنساني، وهو هنا يكره الحياة المتصالحة والقائمة على احترام قيم البناء والتنمية والتقدم والتواصل الحضاري والإنساني.

ختامًا: من المهم هنا التأكيد على أن التركيز على نشر الوعي بأهمية التصالح مع قيم الحياة ومُثل النجاح، يُمثل وسيلة فعالة في مكافحة الفكر المتطرف، ووقف محاولات تنظيماته وعناصره المتكرّرة في تغيير وتشويه الوعي، خصوصًا صغار السن.