المتطرف مسخ الولادة الثانية

من أكثر وسائل التطرف خطورة، لغته الهجينة وغير الشفافة في مداخلة العقول والمجتمعات؛ ذلك إن خطاب التطرف، على اعتبار أنه ترعرع منذ البداية في دهاليز التنظيمات السرية التي تعيش حياة مزدوجة بين ما تُظهر على الواجهة من ملامح، وبين ما تحمل في باطنها من ميولات انتحارية وإجرامية غير معلنة، كان دائمًا خطابًا ماكرًا ومخادعًا، وربى أتباعه على عقيدة عنيفة تجعلهم يشعرون بأنهم في حرب ضد مجتمعاتهم أولًا وضد البشرية ثانيًا، هذا حتى وإن كانت المعركة لم تُعلن بعد، فهم يعملون على تحضير أنفسهم للمواجهة التي تسكن خيالاتهم المريضة، ومن هنا حرصهم على استعمال لغة ماكرة، على أساس أن كل حرب هي خدعة من حيث المبدأ.

الأمر الآخر الذي فرض على الخطاب المتطرف لغته المخادعة، هو أن التنظيمات التي تبنت هذا الخطاب، وجعلته إيديولوجية وخديعة كانت دائمًا تأخذ صورة عصابات لا تملك ما يكفي من قوة لمواجهة الدول بندية صريحة، لكنها تملك قائمة من الأدوات التكتيكية التي تستطيع عبرها زعزعة استقرار الدول إذا ما صادفت منها ضعفًا أو غفلة، ومن ضمن هذه الأدوات لغةٌ مخادعة تسمح لهذه الإيديولوجيات المتطرفة أن تتسرب إلى المؤسسات الاجتماعية الأساسية، ما دام أنها لا تملك القدرة على السطو عليها بشكل مباشر.

ولعل أهم الأقنعة التي لجات إليها التنظيمات المتطرفة في بدايات القرن العشرين، هو ذلك الخطاب التربوي الذي جعلها تبدو في الغالب كوسيلة أبوية غايتها تهذيب الأخلاق، وتعديل الانحرافات السلوكية، وإعادة الناس إلى منظومتهم القيمية الأصيلة، وذلك من خلال الخطب، والدروس، والصحف والمجلات، والأناشيد والمخيمات، وغير ذلك من الأساليب التي تجعل الناس تطمئن لها وتثق في طبيعتها التربوية الصرفة، هذا ما دفع بالأُسر في لحظات كثيرة من تاريخ الأمم، إلى أن تحرص بنفسها على وضع أبنائها رهن البرامج التربوية لهذه التنظيمات، معتقدة بأنها بذلك تقدم لهم خدمة جليلة، وتجنبهم الوقوع في مخاطر الانحراف والجنوح، فإذا بهذه التنظيمات تهيئ هذا النشء الصغير وتعطيه قابلية التحول مع مرور الوقت إلى شخصيات إرهابية مجرمة، وهذا ما لم يكتشفه الناس إلا بعد فوات الأوان. لقد سعت التنظيمات إلى التسلل نحو كل المؤسسات الحيوية، بداية من المؤسسات التربوية التعليمية ومرورًا بالمؤسسات الدينية.

لكننا نعتقد أن من أكثر الأهداف حيوية بالنسبة للمتطرفين، هو محاولتهم اختطاف دور الأسرة، وجعل الناس تعتقد أن تنظيماتهم هي أسر جديدة لكل من يفترض أنه كان ضالًا إلى أن وجد الهداية من خلال برامجهم التربوية، وهذا ما سمح لهم بولادة ثانية، وتشكل هوية مغايرة عن الهوية الأصلية. ولكي تحقق التنظيمات هذا المأرب الخطير، نحت إلى اختيار التدرج حتى لا يصدم المُقْبِلَ عليها والمتحمس للشعاراتها، ولهذا فهي لا تكشف عن وجهها الدموي إلا في المراحل الأخيرة، وربما قد لا يفطن المغرر به بذلك التحول، إلا وهو يجد نفسه يحمل حزامًا ناسفًا، فتراه أحيانًا يتوسل لمن ينقذه من ورطة لم يتخيل نفسه واقعًا فيها أبدًا، بقدر ما كان مأخوذًا بالخطاب التربوي والفضائلي المزعوم لمربيه وموجهيه داخل دهاليز التنظيمات المتطرفة. ويمكن أن نلخص على وجه العموم مراحل فك ارتباط الاتباع بأسرهم على المراحل التالي:

  • أولًا: في الغالب ما يحدث الانجذاب الأول نحو التنظيمات المتطرفة، من خلال شخصيات قيادية داخل هذه التنظيمات، يروج لصلاحها وزهدها وعبقريتها ومظلوميتها، بحيث تأخذ صورة مرشد روحي، ومنقذ لا فقط للمجتمعات المحلية، بل للبشرية جمعاء؛ إن تحول شخص ما إلى مرشد روحي للمراهق خصوصًا، تجعله يكتشف فيه أبا ثانيًا ينقض صورة الأب الطبيعي، بل لو خير هذا المراهق ما بين أبيه ومرشده، ما تردد أن يميل إلى الثاني ويجحد ويتنكر للأول، كما أنه يصبح مستعدًا للتضحية بنفسه لأجل أبيه الروحي هذا، وفي نفس الوقت، وفي حالات قصوى، قابلًا لأن يغتال أباه الطبيعي دون أن يطرف له جفن. إن الأبوة للمرشد تمثل المكر الأول في طريق تحول الإرهابي الذي يتشكل في رحم مثل هذه التنظيمات.
  • ثانيًا: أما الكلمة التي تتسرب بها التنظيمات نحو الأنفس، فتتمثل في كلمة عائلية أخرى، نقصد بها صفة الأخوة، حيث يُدفع المستقطَب الجديد دفعا إلى التخلص من أُخوته العائلية التي تصبح مدانة من خلال سرديات كثيرة تعلي من مسألة التنكر للقرابات الدموية، وتعتبر اختبارًا لمدى إيمان الوارد الجديد على التنظيم بشعاراته المرفوعة، وهو ما لا ينجح فيه إلا حينما يثبت أن الإخوة التنظيمية هي لديه ذات أولوية على الأخوة العائلية، وأن مصيره وحَميته وغيرته مرتهنة بإخوته الجدد، حتى وإن كان ثمن ذلك تضحيته بإخوة الطبيعي، الذين لا يصبح لهم أي عهد مع المتطرف حينما يتشرب بشكل كبير عقيدته الإيديولوجية الجديدة، ولعل صور قتل الإخوة لبعضهم أمام الكاميرات في تفاخر بقوة الإيمان، كان من أسوأ ما قدمه التوحش الإرهابي كمشهد أمام العالم.
  • ثالثًا: إن التنظيمات تقدم لأتباعها برنامجًا تربويًا معقدًا، يصبح مع مرور الوقت بديلًا للمنظومة الأخلاقية التي ترعرع داخلها التابع الجديد، وهكذا ومع تفاقم التأثير الإيديولوجي تصبح حساسيته الأخلاقية مبرمجة بشكل معكوس على ما هو سائد في سياقه الثقافي، فيضحي وهو لا يرى إلا ما يستفز ذائقته الجديدة، وبذلك تتضخم غربته على أصوله، وتتنامى أحقاده عليها. وحينما تحدث هذه القطيعة السلوكية؛ التي تظهر في شكل اللباس، وطريقة ممارسة الطقوس الدينية، بل أحيانًا تصل إلى حد التخلي عن الاسم الذي مُنح له من طرف عائلته لصالح اسم تنظيمي جديد، حينئذ يكون قد نضج بما يكفي لكي يولد مرة أخرى من رحم التنظيم المتطرف على شكل إرهابي لا حدود لدمويته وشناعاته.
  • ختامًا: حماية الأسرة من الاختراق الماكر لخطاب التطرف، وذلك بالحرص الكبير على استمرار التواصل مع الأبناء، وإحاطتهم بالكثير من الدفء الإنساني، والعناية العاطفية قبل العناية المادية، وعلى الخصوص الاحتياط الكبير لأجل منع تداول المواد الرقمية المتطرفة فيما بينهم، وذلك بتربية أبنائنا على محبة الحياة، واحترام قيم التسامح والسلام والحوار، بحيث تتشكل لديهم ذائقة راقية على المستوى الحضاري، بما يكفي لأن يشعروا حيال خطابات الكراهية والحقد والموت برفض واشمئزاز تلقائيين، ولا تصبح لخطاب التطرف أي جاذبية بالنسبة لحساسيتهم الراقية.