الفهم القاصر لدى المتطرف لعبادة الاستخلاف وإعمار الأرض

الفكر المتطرّف اختزالي وقاصر بطبعه، فهو توجه أُحادي يستعصي عليه فهم غير ما اعتاده، وعبارات تتكرر على لسانه في شكل هوس تجعله لا يطمئن إلا حينما يحشرها في كلامه ومقاربته لما يستجد من أحداث، ولهذا تراه أضيق الناس خلقًا بكل عبارة جديدة، أو محاولة للنظر على نحو مغاير لما سبق أن بنى حوله المتطرّف مواقفه وشعاراته. إنه حارس التخلّف بامتياز، فلا شيء ينبغي أن يتغيّر أو يتطوّر في ظنه، إلا إذا كان يعني ذلك رجوعًا إلى ما يَعُده المتطرّف نموذجًا مفقودًا من الكمال الحضاري الذي ينبغي للجميع الرجوع إليه، والعمل على استعادته، من هنا تأتي تبسيطية العقل المتطرّف، الذي يرى أن كل الأسئلة محسومة، وأنه لا مجال للاجتهاد والتطور والتغيير، لا على مستوى الخطاب واللغة، ولا على مستوى أنماط الحياة ومشاريع العيش، ولهذا فهو لا يبذُل جهدًا في فهم مستجدات العالم، وفي استيعاب أسئلته الجديدة، بل يكتفي برعونته الإيديولوجية القائمة على الاختباء وراء شعارات انتهازية، وهذا يُشير إلى الفقر المعرفي للمتطرفين الذي لا يخفى على أحد، ومن ضمن هذه الشعارات القول بأن أي جرأة على التغيير والتطوّر، هي خطر مُحْدِق بعقائد الناس وإيمانهم، ولذلك فهم يخلطون القول ويدلسونه، لكي يظهروا كحماةً  للدين، وما هم بحماة لغير أفكارهم المريضة التي تتغذى دون أن تعي ذلك بهلوسات المتطرفين في كل بقاع الأرض، لأن التطرّف في عمليات الاستقطاب والتجنيد يستخدم عبارات ظاهرها الحق وباطنها الباطل والدمار، ولذلك فإن تاريخ التيارات الإيديولوجية المتطرفة يشير إلى أنها ترفع شعارات برّاقة مثل حماية الناس والدفاع عن المظلومين وحفظ العقيدة من التخريب والتحريف، وهو الحال بالنسبة لكل من يتمسّح بالنصوص الدينية، لكي يمرّر أحقاده وضغائنه المريضة، لأن ثبات العقيدة لا يناقض بأي حال دينامية نماذج الحياة وتطورها، ولا يخالف سوى منطق تلك العقول التي لا تريد أن تستوعب متغيرات الحياة وتحدياتها. ولأجل حماية غشاوة القداسة التي يتخفى وراءها المتطرفون، تجدهم يبالغون في اختزال الدين إلى بُعده الطقوسي، خصوصًا وأن العبادات في كل الأديان هي موضع الوفاء الحرفي لحركاتٍ وصيغٍ لا تحتمل التغيير، وهذا أمر لا يجادل فيه أحد، لأن العبادات هي الثابت السلوكي والحضاري داخل الجماعة، وهي في عمقها لحظة لاستعادة وقائع وأحاسيس مرت بوجدان الجماعة منذ سنين طويلة، ولهذا فهي تُشكّل ذاكرة مشتركة يستحضرها كل الأفراد لأجل الوقوف في خشوع أمام خالقهم، والإحساس بأنهم جزء من تاريخ طويل يمتد من الحاضر إلى الماضي البعيد، ولهذا فإن الطقوس الدينية هي شأن يهُم الذاكرة والوجدان، ويتحقق بالاستعادة والاسترجاع والوفاء، لكن الفكر المتطرف يحاول أن يستغل الخلط بين البُعد الطقوسي وبين البُعد العملي لكي يقنع أتباعه أنه مثلما لا يجوز التغيير أو التبديل في الطقوس، فكذلك حياة الناس يلزم أن تُحَنّطَ على شاكلة واحدة لا تبديل لها ولا تطوير، وهنا مكمن التدليس والتضليل، فلا مقارنة مع وجود الفارق، لأن العقيدة واحدة والطقوس موحدة، لكن مساق الحياة وأنماطها معقودة بقوانين التجديد، ومرهونة بمستجدات الزمن وخصوصياته، ولهذا لا تناقض بين التزام المرء بعقيدته وحفاظه على صفائها من كل الشوائب، وبين الانخراط في روح العصر والانتماء إلى تصوراته الحديثة. ومن أجل الخروج من هذا الفخ الإيديولوجي الذي يحاول أن يضعنا فيه دُعاة الفكر المتطرف عبر شبكات التواصل على وجه الخصوص، بحيث يصوّرون أن كل الحياة ينبغي أن تكون شبيهة بالطقوس الدينية، لا يطالها تغيير أو تبديل في صيغتها وشكلها ومضامينها، فيجب هنا أن نلفت نظر هذا الفكر الاختزالي الضيق، بالدلالة الأصلية للعبادة التي لا تعود فقط إلى الطقوس، بل إنها تعني كل عمل يُراد به تحقيق الأمر الإلهي للإنسان بأن يعمّر الأرض ولا يسعى إلى خرابها وفسادها، وهنا تصبح العبادة هي ذلك الاجتهاد المستمر من طرف الإنسان، لكي يدعم ويحسن أنماط الحياة، ويمنع كل ما من شأنه أن يدمرها أو يؤذيها، أو يمنعها من أن تأخذ مداها في التطوّر والتقدّم، وبالتالي فإن مكان العبادة لا يصبح مرتبطًا بدور العبادات الطقوسية فحسب، بل إن معترك الحياة بمواجهاته المختلفة يصبح ميدانًا للعبادة، ويبدو أن هذا السعي الدائم للإصلاح الذي تمثله العبادة في دلالتها الشاملة هو ما تصوغه بعمق عبارة “المشاريع التنموية”، وهذا ما يسمح بانفتاح العبادة على المجال الاجتماعي والاقتصادي والبيئي أيضًا، وفي ذلك أمرين ننبّه إليهما، وهما:
  • أولًا، إن السعي إلى الرقي بالمستوى الاجتماعي للناس، من خلال إعطائهم الفرصة لكي يكتسبوا الكفاءات العلمية والتقنية اللازمة للانخراط في العالم الحديث، هو في الواقع إخراج لهم من ظلمات الجهل وعجزه إلى نور العلم وقدراته الهائلة، وما علينا إلا أن نستحضر في هذا الصدد الخدمات الصحية التي هي جزء من المشاريع التنموية الكبرى، لكي نعرف حجم أهمية هذا الرقي، وإن محاربة الأمراض البدنية والنفسية هو أحد أهم مظاهر النمو الاجتماعي، وبالتالي فإن تعاون الناس جميعًا في توفير هذه الفضائل يمثّل سعيًا لتعمير الأرض، أي تحقيقًا للأمر الرباني، وفي المقابل إن كل من يشوّش على هذا النمو الاجتماعي، ويعيق عجلة التطور، ويشيع بين الناس الخصومات والكراهية والفوضى والعنف، إنما هو بفعله ذلك يعطّل عمارة الأرض، ويسعى إلى خرابها، وبالتالي فإنه بجُرمه ذلك، يُبطل الدين القائم على السعي إلى استجلاب المصالح ودرء المفاسد، فأي مفسدةٍ أكبر من تعميق بؤس الناس بإشاعة العنف، ومقاومة التنمية الاجتماعية والبشرية.
  • ثانيًا، إن حفظ أموال الناس، وخلق مناخ صحي لتوسعة أرزاقهم بكل السُبل المتاحة، من خلال خلق الفرص الجديدة التي تمنع كساد أسواقهم وبوار تجارتهم، ومنحهم الأدوات اللوجستية والمالية لكي ينخرطوا في بناء الاقتصاد، والانخراط في التبادلات التجارية التي تسهل تعميم الخيرات على الناس، وتسهيل وصولها، كل ذلك تحقيقًا لمفهوم الاستخلاف في الأرض، بحيث يطال أثرُ هذا النمو الاقتصادي كل الحياة، ويفتح أبوابًا كبرى أمام الأرزاق لكلِ من بذل جهدًا، وكدح في سبيل تطوير حياته وحياة أسرته ومجتمعه، لأن الفقر وما يرتبط به من بؤس ورذائل، هو تحدٍ لا ينبغي القبول به كقدر لا يرتفع، وذلك لأن الأصل في الإنسان السعي إلى اتخاذ الأسباب التي من شأنها أن تجنبه الفاقة، وتنجيه من آلامها ونقائصها، وهنا يتجلّى الإعمار في هذه التنمية الاقتصادية، وكل من يعطلها ويمنعها إنما يقاوم تعمير الأرض.