الفكر المتطرف واستهداف المجالات المجتمعية

إن معرفة حواضن الفكر المتطرف هو مسألة مصيرية للحماية من الوقوع في شِراكها، خصوصًا وأن الكشف عن المجالات الحيوية لانتشاره أمر بالغ الأهمية ومصيري بالنسبة لجهود مكافحته، حيث ينتشر هذا الفكر كوباء، وفي هذا الصدد يمكن أن نحدد مجموعة من تلك الحواضن التي قد يستغلها الخطاب المتطرف في التسلل نحو فئات مجتمعية مختلفة خصوصًا صغار السن، بهدف تشويه وتزييف مداركهم المعرفية، عبر مضامين تتغير وفقًا للهدف المُراد تحقيقه، وهو ما نستعرضه بإيجاز في النقاط التالية:  

  • أولًا: الإعلام، وهو من أكثر المجالات التي تتعرض لمحاولات تسلل متكررة من قِبل الجماعات والتنظيمات المتطرفة، بهدف توظيف أدواته لصالح نشر إيديولوجياتها، خصوصًا وأن التقدم في سياقات هذه الصناعة بات من القوة بمكان بشكل يمكنه إرباك المتلقي في تحديد مصداقية ما يتلقاه من أخبار أو تقارير من عدمه، إضافة إلى أن التطور في وسائل التواصل الاجتماعي جعل موضوع الجرأة على مهنة الإعلام أمر مستساغ لدى البعض، حيث يمكن لأي شخص على هذه المنصات نشر وتداول أخبار وتقارير قد يكون تم بناء مضامينها خارج ضوابط العمل الإعلامي المتفق عليها عالميًا، وهو أمر في غاية الخطورة لأنه يصيب المتلقي خصوصًا من فئة صغار السن بالكثير من الحيرة في تحديد صواب أو خطأ ما يطالعونه عبر هكذا حسابات لأفراد يمتلك بعضهم الحضور الرقمي النشط، لكنهم لا يمتلكون المرجعيات المهنية أو القانونية في صناعة المنتج الإعلامي، الأمر الذي يوفر فرصة لدعاة الفكر المتطرف في نشر خطاباتهم وإيديولوجياتهم، وضمنًا إنشاء حواضن تأخذ مسميات إعلامية مختلفة هي في الواقع بعيدة كل البعد عن الإعلام الحقيقي، وجميعها تلتقي على هدف واحد هو استقطاب وتجنيد الشباب وصغار السن، ومحاولة نشر الفوضى المعرفية لديهم، وهذا يقتضي التعاون في مكافحة وكشف مثل هذه الحواضن التي تطال بمخاطرها شريحة كبرى من المتلقين.
  • ثانيًا: الجانب العقائدي، وهو مجال خصب يمارس فيه المتطرف كل حيله، حيث يستغل إيمان المُتلقي لتمرير أطروحات لا تتوافق وحقيقة الدين الصحيح، والأخطر أن أصحاب هكذا فكر بات البعض منهم يمتلك منصات وحسابات رقمية يُمكن من خلالها استقطاب الكثير وخصوصًا من صغار السن، بعد إغراقهم بخطابات تمارس نوعًا من الجذب العاطفي المُستمد من بعض القصص والمواقف التي يوظفها المتطرف في غير سياقاتها، ويسبغ عليها من مخيلته ما يجعله قادرًا على اجتذاب هؤلاء الصغار وتشويه وتزييف وعيهم، بالقدر الذي يسمح له أحيانًا بالسيطرة والتحكم في قناعاتهم وسلوكياتهم تجاه أنفسهم ومحيطهم.
  • ثالثًا: الجانب الرقمي، حيث يستغل المتطرف التطور الهائل في تقنيات التواصل الاجتماعي ومواقع شبكة الإنترنت لنشر أفكاره بطريقة وبائية، ما يتطلب رقمنة الثقافة الدينية، وإعادة إخراجها في صورة تسمح لها بالانتشار عبر المجال الافتراضي، خصوصًا وأن النجاح في ملء هذا المجال بالثقافة الدينية السليمة والصحيحة، وعدم تركه شاغرًا أمام ذوي الفكر المتطرف، لا بد وأن يضعف الوقع الوبائي لهؤلاء، ويسمح للأفئدة أن تستفيد مما يزكي الأرواح بخطاب أخلاقي يجمع بين النبل والاعتدال، والوعي والإدراك.
  • رابعًا: المجال التربوي، إذ لا يشك أحد في أن أخطر مجال ينبغي فيه الاحتراز الأقصى لحماية الوعي المعرفي لدى الأجيال المقبلة هو المجال التربوي، حيث يتلقون الكثير من المعارف التي حتمًا ستترسخ في أذهانهم بشكل عميق ومستمر، لذا فمن المهم وضع جميع الاحتياطات الضرورية لحمايتهم من مخاطر تشويه ما يتلقونه من معارف.
  • ختامًا: إن محاولات دعاة الفكر المتطرف في استهداف أهم المجالات المجتمعية، تتطلب بالضرورة تعاونًا في كشفها وتفكيك وتفنيد مزاعمها، الأمر الذي يساعد في جهود مكافحة خطاباتها، والحد من انتشار مخاطرها ومحاولاتها المستمرة لتدمير الأمن الروحي والفكري للمجتمعات، كما يسهم في إثراء الجانب التوعوي وتعزيز مبادئ المواطنة بما يحُول دون أن يصبح لخطاب التطرف أي أثر فعلي في بناء قناعات المجتمعات، أو تحديد وجهاتها الفكرية والقيمية والعقائدية.