الصحة المعرفية

يحاول المتطرف بشتى السبل التشكيك في أي مشهد يتعلق بالتطور الحاصل في الحياة كسُنة كونية قائمة وستظل طالما وُجد الإنسان، متوهمًا أنه وحده  فقط من يمتلك الصواب والحق في تحديد مصائر غيره من البشر، بل ومصادرة حقهم حتى في التعبير عن مشاعرهم الروحانية إزاء مقدساتهم، الأمر الذي يدفع صاحب مثل هذا الفكر إلى اتباع إستراتيجيات تهدف إلى تشويه وعي الآخر حيال كل مختلف، وتزييفه بالضلالات والأكاذيب، أو حتى بالصدام والعنف معه، الحد الذي يصل به أحيانًا إلى محاولة القضاء عليه بالكُلية، ليصبح وفقًا لفكره الأُحادي والإقصائي هو صاحب الصوت الذي يجب على كل إنسان في أي مجتمع كان الانصياع له والتسليم به، وفي ذلك عدد من النقاط من بينها:

  • أولًا، من الضرورة القصوى التصدي لمنع المتطرف من تشويه وتزييف الحقائق بفعل ترويجه للأكاذيب المضللة، التي تقتل في فئات المجتمع المختلفة، الرغبة في الانخراط في الحياة بشكل سوي، وتدفع بهم عبر ألاعيب إيحائية مختلفة الأجناس، نحو نظرة سوداوية ترسخ لديهم كآبة مرضية، ما يجعل البعض صيدًا سائغًا للجماعات الإرهابية، التي تستغل هشاشة البعض منهم النفسية.
  • ثانيًا، يتطاول صاحب الفكر المتطرف على الحُرمات الدينية لإثبات صواب رأيه، فيعمد إلى اقتطاع النصوص الدينية من سياقها، واستعمال الشواهد في غير محلها، بل وتزوير هذه الشواهد والترويج لها خصوصًا على شبكات التواصل الاجتماعي، بهدف إثارة الفتن داخل المجتمع الواحد، والتي بقدر ما تشتد نيرانها ويتكاثر ضحاياها، بقدر ما يتفنن أصحاب هذا الفكر في بلاغة الاستعداء، والتحمية والتأليب، ليتساقط البسطاء من الناس في هاوية الموت والضياع، بفعل تلك البلاغة الحماسية المُستغِلة للرموز الدينية، ما يتطلب ضرورة التعاون في حتمية مواجهته ومكافحة أفكاره ودعواته، وتفنيد مزاعمه وأسانيده التي ينسبها زورًا إلى أسماء أعلام يحظون بثقة مجتمعاتهم.
  • ثالثًا، إن الصحة المعرفية هي ركن رئيس في إبراز قيمة الشعوب، لذا فالمدارس والجامعات تعتبر من أهم المؤسسات التي ينبغي أن تحاط بكل أسباب الحماية من أصحاب الفكر المتطرف المسترزقين والمخادعين، سواء وهم يرسخون في عقول النشء ما يحول دونهم والانفتاحَ المعرفي والقدرةَ على تطوير ملكاتهم المعرفية، أو وهم يخلقون شبكات مصالح إيديولوجية تنقل الولاءات غير المعلنة للجماعات المتطرفة إلى الجامعات، لكي تمكن أتباعهم من شواهد أكاديمية تفتقد للمصداقية العلمية، وهي ذاتها الصفات العلمية التي يجري استغلالها في اختراق المجتمع لأجل نشر أفكارهم المتطرفة، لذا تلجأ كثير من المجتمعات إلى إجراءات قاسية كلما اكتشفت محاولات أمثال هؤلاء في استغلال الجامعات على سبيل المثال لتجنيد الأتباع، أو الترويج لصفات علمية كاذبة، أوتعمد إجراء ضغوط معرفية تسعى إلى خدمة أجندات بعيدة عن الموضوعية المعرفية والمصداقية الأكاديمية.
  • رابعًا، إن المتطرف يمارس بشكل متعمد أخطر عمليات تزييف الوعي وتشويه الحقائق وإغراق المجتمعات بالضلالات والأكاذيب، الأمر الذي يتطلب وعيًا جمعيًا لمواجهته وكشف حواضنه ومنصاته، حرصًا على أن لا يَطال بخطره مصائر فئات المجتمع الواحد.
  • ختامًا، يلجأ المتطرف دائمًا إلى الخداع والتزييف بالشكل الذي يضمن له حشد أتباع في المجتمع المتواجد به بل والتأثير فيهم حد إلغاء قدراتهم العقلية والنقدية في كل ما يتلقونه من أفكار أو أطروحات، مستهدفًا في المقام الأول صغار السن منهم، عبر بلاغات حماسية أو مرويات زائفة، ليكون هؤلاء الصغار في جُل الحالات وسيلته الرئيسة نحو تقويض استقرار المجتمعات التي يستهدفها، وهو ما يتم مواجهته ومكافحته، بتكثيف الوعي والمعرفة والإدراك بمخاطر أصحاب هذا الفكر، على استقرار وتنمية وتطور المجتمعات ومستقبل أجيالها.