الحكايات القاتلة

من الصعب التمييز بين الواقعة والحكاية، إذ رغم أن الأولى تنتمي إلى الواقع المحسوس، وبالتالي من المفترض أن تتميز بطبيعة ملموسة وعينيَّة، فإن الحكاية التي هي في الغالب ما يروي لنا الواقعة عبر تقنيات السرد، وبلاغة الرواية والقصة، تنقل الأحداث الفعلية من مستوى الواقع إلى مستوى الخيال، وهنا تُطمس ملامحها الواقعية، وتتحول مع مرور الوقت إلى سلسلة متداخلة من الحبكة الحِكائية، التي تنفصل بشكل كامل عن الواقع الفعلي، ليخلُق عوالمَ افتراضية تعوض هذا الواقع وتغيبه، بحيث أننا إذا سلمنا بها بشكل كامل، نفقد مرتكزاتنا ومعالمنا التوجيهية، ونَتِيهُ في الذاكرة التي تجعلنا لا نُطيق التفكير، ولا نجرؤ على التفصيل والتجريد، بل يتضخم شغفنا بالحكايات المدهشة التي تحكم على عقولنا بطفولية دائمة، وبكسل يمنعنا من بذل الجهد لأجل تحقيق فهم متحرر من الأُقصوصات المثيرة.

وهذا ما يتفطن له عرابو التطرّف بمكر شديد، فتراهم يُغرقون أتباعهم في حكايات تبرّر لهم كل تلك الأطروحات المدمرة التي يبشّرون بها، وينشرونها بين جماهير واسعة عبر شبكات التواصل، إن شغف المتطرّف بالماضي هو في الواقع استراتيجية تضليلية ذات تأثيرعالٍ في تنويم الحس النقدي، وفي خلق تلك الضحالة الفكرية واللغوية والخطابية التي تجعل العقول لا تنظر أو تقرأ أو تسمع أو تُدرك إلا ما هو مألوف لديها، وما يُدعم بحكايات عن أحداث غابرة، لا يمكن بأي حال إقامة الحجة على أنها وقائع فعلية، وذلك ببساطة لأن الموتى لا يقصون الحكايات ولهذا كل شيء يمكن أن يُقال عبر ألسنتهم، فهُم لا يملكون بعد أن غيبهم الموت أن يشهدوا بصدق ما يُقال عنهم أو بزيفه، حيث إن أستار الماضي البعيد هي جُنحُ العَتَمة التي يحتمي بها المتطرّف من وضوح الواقع وجلائه.

ومن هذا المنطلق فإن المبالغة في استعمال التبريرات التاريخية التي تُستقى كيفما اتفق، من مرويات تفصل بينها وبين أحداث اليوم قرون طويلة، بل ومسافات بعيدة للغاية، خلقَ لدى المتطرفين تضخمًا في الذاكرة على حساب العقل، وتحوّل لديهم كل تَفَكُّرٍ إلى تَذَكُّرٍ، وكل تحليل إلى حَكْيٍ، وهكذا عطّلوا قدرة أتباعهم على التفكر لرؤية الواقع والتفاعل معه في بُعده الراهن، على أساس أنهم يرون في كل ما يحدث تكرارًا لما حدث يومًا في تاريخ بعيد، ولهم بذلك تجاه كل مبادرة أو مشروع إصلاحي حكايات تشيطن الحاضر، وتبعث مشاعر اليأس والكراهية حياله، فلا يُصبح للواقع الراهن أي قيمة في ذاته، بعد أن يتحول إلى مجرد نسخة فاسدة ومتهالكة لما هو معروف (لديهم) من قبل، ومحسوم مسبقًا، دونما الحاجة للانتظار أو التطلع أو التحقق أو التخطيط، ومن غير ما افتراضِ وجود ثقوب في هذه الذاكرة، يشهد عليها تضارب الحكايات حسب مشارب المؤرخين وميولاتهم، وهذا ما ينجم عنه الكثير من آفات التفكير وفساد الاستعداد للفهم، أو بذل الجهد في سبيل التبيُّن والتمييز، ومن ضمن أخطر هذه الآفات:

  • أولًا، الجمود الحضاري، الذي يؤدي إلى الخلط بين الوفاء لمكونات الهوية وبين تحنيط الرؤى، والاكتفاء باسترجاع الماضي في ثقة عمياء، حيث إن عدم الاعتراف بوجود مسارٍ تقدمي في الزمن التاريخي، يخلق قطيعة حقيقية بين الأحقاب التاريخية، وهو من جهة جهل بقانون الوجود الذي يقوم على التخطي المستمر لكل ما يرتسم عائقًا أمامه، ومن جهة أخرى عدم فهم للذاكرة الجمعية، التي هي نفسها تشهد أن تدافع الأحداث هو نتيجة لمخاض تغيير مستمر، طال حياة الناس على مر الدهور، وجعل كل شعب ينخرط في مساراته الحضارية القائمة على التفاعل الإيجابي، والمراجعات، والخلق والإبداع، وهو ما أدركته وعملت عليه المجتمعات الإنسانية في مسيرتها الحضارية الكبرى.
  • ثانيًا، الجهل والكسل المعرفي، الذي يساهم في استمراء الحكايات التي تدغدغ وجداننا وهويتنا، وأَسْطَرة الماضي، ويخلق لدى الإنسان ثقة عمياء بما يُحكى له، وهذا ما يجعله لا يجد في نفسه حاجة لأن يخضع تاريخه إلى محاكمة نقدية قاسية، مكتفيًا باسترجاع نفس الحكايات التي أصبحت بقدر ما جرى تداولها وتناقلها، من الشائع بين الناس، ومع ذلك فهم يحبون سماعها في كل مرة، كشاهد على العلم والمعرفة، وما هي في الواقع إلا خيالات شعبوية تقوم بدور تعويضي، يزيد من ترسيخ الجهل والكسل المعرفي، فحينما يغلب العقل السردي داخل أوساط معينة، فلا أحد يطيق الدخول في التفاصيل والمقارنات، إذ لا شيء يستدعي مثل هذا الجهد، بعد أن أُضفي على هذه الحكايات هالة من القداسة التي تمنع مِبْضَع التحليل من الاقتراب أو الجرأة على إعادة القراءة، ولهذا يكتفي أتباع التطرّف بمختصرات انتقائية من الكتب السردية الكبرى، ولو أنهم يجربون العودة إلى النصوص ذاتها، فسيتفاجؤون بأن ما يبدو لهم حكاية قطعية، هي في الواقع حكاية من ضمن حكايات أخرى.
  • ثالثًا، الحس العدائي، وهو ناجم من كتب التاريخ القديم وذلك قبل ظهور ما يدعى بمدرسة الحوليات، التي أعطت أهمية قصوى للجوانب الاجتماعية في عملية التأريخ، على عكس المدارس القديمة التي ركّزت على البُعد الحربي في عملية التأريخ، وهذا ما جعلها ترسم مسار الحضارات على شكل خط متصل من الحروب المستدامة التي لا تتوقف قليلًا إلا لتعاود الاندلاع، وهذا ما رسخ فكرة غريبة لدى المتطرفين، تتجلى في اعتبار العداء إرثًا تاريخيًا ينبغي العناية بتناقله بين الأجيال، وإشعال ناره كلما تراءى لهم أنه يخبو قليلًا، فأصبح بذلك التاريخ مستودع العداءات المتوارثة، ومستند للكراهية التي أضحت في منطقهم مسؤولية حضارية للشعوب، فترى المتطرف يبرّر سلوكه الدموي والعنصري بقصص ترسم الآخر في أقبح صوره، وتجعل من الذات الجمعية ضحية للمؤامرات والاعتداءات التي تتطلب المواجهة والانتقام، وما علينا إلا أن نُحلّل الجرائم الطائفية لكي نفهم كيف يمكن لحكاية مرَّ على حدوثها المفترض أكثر من ألف سنة، أن تصبح مستندًا تبريريًا لإراقة دم أشخاص لا ذنب لهم، إلا أن حبكة الحكاية وضعتهم في خانة أعداء البطل، الذي طبعًا تلعب أدواره الشخصيات التاريخية للجماعة الضيقة داخل الحكاية، إن القراءات الحماسية والوجدانية لما يُدعى بالوقائع التاريخية، تحكم على المتطرف بالسعي الدائم إلى إسقاط نفس المعارك المتخيلة على الواقع، فيبدو وهو يدمّر وينتقم ويغتال مأخوذًا بهلوسات جماعية، أصلها حكايات جرى إقناعه بها بأنها تمثل الحقيقة المطلقة التي لا يجري عليها قانون التطور أو التقادم أو التحقق، كما أنه يحرم الناس من القدرة على التصالح مع تاريخهم القديم، من خلال الاعتراف بأن ما حدث مشروط بسياقه وزمانه وظروفه الخاصة، وبالتالي فما يصح في الماضي البعيد للحكايات، من عداء وسلوك وتفاعل، لا يصح بالضرورة في وقتنا الراهن الذي لا ينبغي النظر إليه كمجرد نتاج لهذه الحكايات التي يتداخل فيها الخيال مع الواقع، بحيث لا يمكن التمييز بينهما.
  • ختامًا، لابد أن نتحرر من هذه العقلية السردية الحِكائية التي يستند عليها الفكر المتطرف، والتي تسود بشكلٍ كبيرٍ داخل المجتمعات البدائية كما أكدت ذلك الدراسات الأنثروبولوجية والإثنولوجية، مما يجعل الحكواتي يلعب دورًا مهمًا داخلها، وعوضًا عن ذلك علينا أن نُشجع قيام العقل المفاهيمي الذي يتجاوز نظام السرد نحو منهج النقد والتحليل، فهذا وحده ما يمكنه أن يعطّل مشروع المتطرّفين ودُعاته على وجه الخصوص، الذين يحاولون أن يجعلوننا غرباء عن واقعنا الراهن، من خلال حكايات غرائبية سطحية، رغم كل ما تُحاط به من تفخيم وتضخيم، وهذا بالضبط ما سيسمح لنا بالانخراط في واقعنا الراهن بسلاسة ووعي وعمق، وهو ما يحقق للدول النمو والتطور السريع دون عقبات إيديولوجية تسعى لتوهين بناء الدولة.