التعليم كجبهة أولى ضد التطرف

إن فعل التنشئة الاجتماعية يدخل في جوهر دينامية وجود المجتمعات واستمرارها، حيث لا يكفي أن يحافظ مجتمع معين على تراثه وحضارته فقط كضامن رئيس لبقاء هويته، بل هو مطالب أيضًا بصون هويته الثقافية التي تتشكل من خلال لغته الأم وقيمه المحلية وعوائده الأنثروبولوجية أو ما يُعرف بعلم الإنسان، إضافة إلى حتمية تمسكه بحسه الذوقي و الجمالي، وغير ذلك من المكونات المصيرية، وقد يحدث أحيانًا أن تدمر جوائح مرضية أو حروب إبادية الهوية العرقية لبعض الشعوب، إلا أن الهوية الثقافية أكثر هشاشة وعرضة للهزات العميقة من ذلك، حيث تنتهي في الغالب إلى إفقار الشعوب على مستوى سماته الفكرية و اللغوية و العقائدية و القيمية، لذا فكثيرًا ما نشاهد شعوبًا بأكملها انتهت بفقدانها تلك الهوية لمجرد غفلتها لعقد من الزمن، وهذا ما يحصل دائمًا من خلال اختراق المنظومات التعليمية التي تًعد هدفًا رئيسًا للجماعات والتنظيمات المتطرفة والإرهابية، التي تعمل دائمًا على خلخلة الأنظمة التعليمية، وتعويضها – إن لم يتم الالتفات لها – بأنساق مختلفة تقوم عبر المدارس والجامعات بضخها في عقول أجيال من المتعلمين، كما قد يحدث ذلك أيضًا عبر اندساس عقيدة أو إيديلوجية طارئة قد تعمل تلك الجماعات والتنظيمات على تمريرها إلى النسيج الاجتماعي والتعليمي من طرف بعض مكوناتها بهدف تدمير وتشويه وعي أجيال بأكملها لصالح أجنداتها وأهدافها، لذا فعملية غسل الأدمغة داخل المدارس كتجسيد لتمرير أفكار تلك الجماعات، هي ضربة في مقتل لهويات الشعوب، وتدمير وتقويض لكل عناصر تماسكها من الداخل، وهو ما يستوجب اعتبار التعليم جبهة أولى لحماية مستقبل الشعوب، وصونها من كل الخطابات المحرضة على التطرف والكراهية أيًا كانت مزاعمها أو مبرراتها.