التعايش كضرورة لبقاء الإنسان

تُبرز التطورات الحالية على المستوى الإقليمي والدولي مدى حتمية قيم التعايش والتواصل الإنساني بين مختلف المجتمعات وأهمية تعزيز خطاباتها، بعد عقود من الصراع والاقتتال الذي قادته جماعات وتنظيمات متطرفة وإرهابية راح ضحيتها الآلاف من الشباب في مختلف دول العالم، وكان من الممكن أن يتحولوا حال وجود خطاب توعوي واضح وحازم في آن، إلى أدوات إنتاج وتنمية وتطوير لمجتمعاتهم وللحضارة الإنسانية على اختلافها.

إن الأرقام المفجعة لعدد الضحايا في الصراعات القائمة على اختلاف في العقيدة أو الجنس أو القومية كفيلة بالانحياز إلى جهود مكافحتها والعمل بحزم على عدم تكرار مأساتها بين الأجيال الحالية أو المقبلة في العالم أجمع وليس في منطقة بذاتها دون أخرى، فالدور الرئيس للشباب الذين هم الهدف الأول لجماعات وتنظيمات الفكر المتطرف، هو المشاركة الفعلية في تطوير أنفسهم أولًا ومن ثم تطوير مجتمعاتهم وتنميتها والنهوض بها نحو مستقبل أكثر سلامًا وأمنًا واستقرارًا، وذلك لن يتأتى في ظل غياب الوعي بأهمية انخراطهم في الرؤى الدافعة والمتبنية لهذه التوجهات، التي هي في الأخير لا تتعارض كما يزعم الخطاب المتطرف مع أي عقيدة أو فكر إنساني معتدل وقويم، وفي ذلك نقاط عدة نوجزها في التالي:

  • أولًا: على مدار التاريخ لم تنهض مجتمعات ارتكزت منطلقاتها على خطاب إقصائي متطرف رافض للآخر، بل العكس كان هو الواضح من حيث ارتفاع عدد ضحايا هكذا خطابات من قتل وتشريد وتقويض مجتمعات والتسبب في إيجاد أجيال مشوهة فكريًا وقيميًا غير قادرة على المشاركة في أي جهود لبناء مجتمعاتهم أو تنميتها، بل ورافضة لفكرة التواصل الإنساني مع كل مختلف، لذا كان وجود هكذا فكر يمثل عقبة أمام المجتمعات في تحقيق طموحاتها وتطلعاتها المستقبلية.
  • ثانيًا: تثبت القراءات الدقيقة والعميقة لمسارات التطرف والإرهاب وما تسببا فيه من دمار وتخريب بالمجتمعات التي سقطت ضحية لهما، أن انتشارهما وتغولهما إنما يعود في جزء رئيس منه إلى تراجع المفاهيم الحقيقية للقيم الإنسانية الداعية إلى التعايش والتعاون والاعتدال والإيمان بحتمية عمارة الأرض والحفاظ على الإنسان للقيام بدوره في هذا الجانب، لذا فكل الخطابات المتطرفة على اختلافها إنما هي قائمة في مكونها الرئيس على تقويض وتشويه أية دعوة تدفع نحو البناء، لصالح أخرى تُعلي من دعوات الكراهية والإقصاء والعنف تجاه كل مختلف في العقيدة أو اللون أو الجنس، مُغيبة بتعمد فكرة أن التواصل الإنساني الإيجابي بكل صوره إنما هو في الأخير استمرار للحضارة الإنسانية وتنميتها وتطويرها بما يخدم البشرية كافة.
  • ثالثًا: إن كل تراجع قيمي وإنساني في أي مجتمع من المجتمعات على اختلافها، يتبعه بالضرورة تراجع حضاري وتنموي مهما كان الخطاب الذي تتبناه تلك المجتمعات، وفي المقابل فكل إعلاء لقيمة الإنسان ومكافحة الخطابات الدافعة نحو تشويه هذه القيمة بأي زعم من المزاعم يُنتج دائمًا قيم دافعة نحو التقدم والتحضر.
  • رابعًا: تكشف الحضارات الإنسانية التي شهدها التاريخ على امتداده منذ آلاف السنين وحتى اليوم، أنها كانت ترتكز في مقامها الأول على مجتمعات تؤمن بقيمة الحياة وأهمية الحفاظ على استمرار تطورها بالعلم والابتكار والإبداع في الفكر والفنون والبناء، لذا كان هدم وتشويه رموز تلك الحضارات هو الهدف الرئيس للجماعات المتطرفة والإرهابية في المناطق التي فرضت سيطرتها عليها أو تمددت بها فترة من الفترات، ومشاهد تدمير عناصر تلك الجماعات أو التنظيمات للمتاحف والآثار التي تبرز الجوانب الإبداعية والإنسانية، تتجاوز كل المزاعم المضللة التي صاحبت هكذا فعل نحو إبراز حقيقة العنف الكامن في كل فكر متطرف مهما اختلفت الأقنعة التي يحاول بها التسلل نحو فئات المجتمعات المُستهدفة. 
  • ختامًا: إن التقارب والتواصل والتفاعل الإيجابي بين مختلف المجتمعات، والدفع الدائم نحو تعزيز الرؤى التي تتبنى هذه القيم، والوعي بأن خطر الفكر المتطرف يكمن في كونه فكرًا قائمًا في الأساس على إلغاء وجود الآخر المُختلف أيًا كان هذا الآخر: إنسانًا، وطنًا، فكرًا، عقيدة، قيمة، رمزًا، هو أحد المرتكزات المهمة التي تُسهم بشكل رئيس في انطلاق المجتمعات وتقدمها، وتشكيل أجيال لديها من الثقة في قدراتها ما يُمكِنها من المشاركة في كل جهد لتطوير مداركها، وتنمية مجتمعاتها ، وتحقيق كل طموح تتطلع نحوه أو تسعى إليه.