التطرف والعداء الحضاري

يبني المتطرف كل مواقفه وتصوراته على فكرة العداء، لهذا نجده من حيث المبدأ يُعادي الجميع، بدءاً من المرأة التي تُثيرهوسه المرضي فيعاديها بالتحريم والتجريم، ونهاية بكل مكونات العالم التي ينظر إليها على أساس أنها عناصر خطر تحوك المؤامرات من أجل النيل منه ومنعه من إنقاذ العالم؛ من خلال معتقده الواهم بأنه الوحيد القادر على إخراج الناس من الضلال وإعادتهم إلى طريق الهداية، وهذه العدوانية المزمنة في خطاب التطرف هي التي تجعل ثمن إيمان المتطرف بمبادئه يتمثل دائمًا في بناء خطاب كراهية حيال المغايرين والمختلفين عنه، بل إنه لا يملك القدرة على بناء هويته بمعزل عن إيجاد الخصوم والأعداء، حتى ولو أوجدهم بمنطق نظرية المؤامرة، التي تُجسد في الغالب مبررًا له من أن يُدين ويَتهم حتى أولئك الذين لا يعنيهم أمره من بعيد أو قريب، لكن خياله المريض يجعله يرى الأعداء حيثما يُولي وجهه.

وعلى الرغم من أن للتطرف أعداء على كافة الجبهات، إلا أن هنالك ما يُبلور في الواقع كل هذه الشحناء لدى المتطرف التي تسوغها له أفكاره المظلمة على العالم والآخرين، والمتمثلة في حالة العداء الحضاري؛ التي تكمن خطورتها في أنه مع مرور الوقت يتحول الانتشار الوبائي لهذا الخطاب العدائي، خصوصًا على شبكات التواصل الاجتماعي، إلى عدوى فكرية تُبرمج كل من يتبناها، فتعمل على تغذية مشاعر الكراهية حيال البشرية جمعاء، ما يمنحها قدرةً على تسميم العلاقات الإنسانية على المستوى الدولي، وإضعاف الميولات السلمية، وبالتالي تبرير العنف القائم على أسباب إيديولوجية خالصة؛ فما أن يُعادي طرف ما حضارة لا يعرف لغتها، ولا نظامها القيمي، ولا عمقها التاريخي، لا لشيء إلا لاعتقاده  بأن حضارته وعقيدته تُوجب عليه هذه المعاداة من حيث المبدأ، فإن ذلك يُحوله إلى شخص تتنامى لديه شحنة الكراهية بالقدر الذي يجعله يُعلي من قيمة تنظيمه وحضارته المزعومة على حساب حضارة الآخرين.

ويمكن القول إن العداء الحضاري الذي يسيطر على مشاعر المتطرفين، ينقل عداء التطرف من مستوى الوباء المحلي إلى درجة الجائحة العالمية، وما علينا لكي نفهم هذا الخطر، إلا أن نستحضر المشاريع الخيالية التي تسكن أذهان الجماعات المتطرفة عبر العالم، فلو تمكنت من أدواتها التدميرية، ما كانت لتتردد في أن تزج بالعالم في أتون حرب كونية دون رحمة أو شفقة، على اعتبار أن كل فكر متطرف لا بد وأن يقضي على المشاعر الإنسانية الفطرية في أتباعه، ومن يفقد إنسانيته  يكون قادرًا على أن يرتكب أبشع المجازر دون أن يَطْرَفَ له جفن، أو يختلج لديه إحساس بالذنب، ومن هنا فإن العداء الحضاري للمتطرفين خطر دولي كامن، من الضروري أن نضعه في الاعتبار ونحن نحلل ظاهرة التطرف على وجه العموم، وينعكس ذلك الخطر على مجموعة من الإعاقات الحضارية التي يتسبب فيها لدى أتباعه، والتي نشير إليها في النقاط التالية:

  • أولًا: إن تلك الحالة من العداء تُعطل القدرة على التواصل بين الشعوب، حيث يُشوش التطرف على دلالات الكلمات ومعانيها الأصيلة، فيعمل على تشويهها وتقديمها في أسوأ صورة ممكنة، وذلك من خلال تأويل إيديولوجي فاسد، ومن هنا يتضخم الحاجز التواصلي ما بين الحضارات، فيسقطها في بناء صور خيالية للآخر تجعله في الغالب يحمل ملامح مستفزة ومخيفة، يعكسها التطرف عليه بفعل سوء النية في التواصل، وكذلك بسبب تلك المشاعر السوداوية التي يحملها المتطرفون على مستوى العالم تجاه الآخر المختلف؛ الذي يسقطون عليه ظلال معتقداتهم العدائية، ولهذا فإن أغلب المتطرفين يبررون أعمالهم العنيفة تجاه المختلف، بأنها مجرد إجراءات استباقية ووقائية لحماية الهويات الجماعية من خطر ذلك المختلف الذي يعتقدون أن الحقد يعتمل في صدره تجاههم، وذلك ما هو إلا صدى لأحقادهم حياله، ولا يُمكن التخلص من ذلك الخوف الوهمي إلا بالسماح بنضوج شروط التواصل السليم، وبالتالي التخلص من الأنماط المتطرفة في التعاطي مع الحضارات الأخرى.
  • ثانيًا: يؤسس العداء الحضاري لمقاربة انتهازية في التعامل مع الحضارات الأخرى، وكثيرًا ما نجد من المتطرفين من ترعرع في أحضان بلدان مضيفة، ونهل من علومها، واستفاد من خدماتها، وبعد ذلك نفذ أبشع جرائمه تجاهها، دون أن يضع في الاعتبار ما سبق من علاقة إيجابية سمحت له بأن يأخذ من تلك الحضارة أجود ما فيها، ويتجسد سر ذلك الجحود الحضاري الصادم في القناعة الراسخة لدى المتطرفين؛ المتمثلة في جواز الاستفادة الماكرة والانتهازية من الآخر، دون مبادلته المشاعر الأخلاقية الإيجابية، فهم يعتبرون أن العلاقة معه هي علاقة حرب معلنة ومعلقة، وغير منتهية أبدًا؛ لأن المتطرف يعيش دائمًا في إطار انتظار حرب كونية لن تُبقيَّ حسب أوهامه أحدًا غير جماعته الناجية المالكة لمقاليد الحقيقة، ولهذا يصعب عليه أن يكون قادرًا على تبادل المصالح الحضارية مع الشعوب الأخرى، بل أيضًا يصعب عليه الانتماء السليم لمجتمعه الأصلي أو المضيف، وهذا يصنع منه عامل تشويش وخطر حيثما حل وارتحل، ولن يستطيع الفرد أن ينخرط بشكل سلس في الجماعة البشرية، إلا حينما يتخلص من كون العلاقة مع الغير مبنية على العدوان القائم على المكر، والعنف الشامل حيال كل الحضارات الأخرى، وهو ما لا يُمكنه أن يتحقق إلا بالذهنية القائمة على مبادئ الاعتدال وأخلاق التسامح والمسالمة، وهي كفاءات يفقدها المتطرف تدريجيًا بفعل الأدلجة العميقة التي يخضع لها في ظل جماعته التنظيمية.
  • ثالثًا: إن العداء الحضاري أيضًا هو إعاقة حيال القدرة على تبادل المهارات والخبرات بين الشعوب المختلفة، لأن الأصل هو عدم اكتفاء أي شعب أو مجتمع بنفسه، فالإنسان دائم الحاجة إلى التعاون مع الآخر، وذلك نظرًا لاتّساع هذا العالم وعدم تجانس وتماثل موارده الطبيعية، وتنوع ثقافاته وعلومه المختلفة، التي تجعل كل شعب في حاجة لأن يتبادل مع الآخرين خبراته ومنتجاته ويكتسب منهم أيضًا خبراتهم ومنتجاتهم المغايرة التي لا تتوافر لديه؛ وذلك من خلال عمليات التواصل التجاري والثقافي، وهو ما يُمثل صورة من التواصل الإنساني السليم الذي يُسهل شروط وجود الإنسان ويخدم رفاهية وجودة حياته، ويتحقق بالثقةَ والتعاونَ والتسامحَ واحترام الآخر المختلف وتقبله، وعلى عكس ذلك يهدم التطرف شروط التواصل الحضاري السليم، فهو يُشيع عدم الثقة ويرفض التعاون والتسامح، فغايته ليست التواصل التجاري والثقافي الذي يرفضه المتطرف لأنه لا يتناسب وتصوره السوداوي للعالم، بل الحرب والدمار وعدم الاستقرار، على عكس الإنسان السوي الذي يرى في ذلك التواصل علاقة طبيعية وصحية مع الشعوب الأخرى، ويمثل التعدد الحضاري لديه مصدرًا للغنى المادي والفكري، عوض أن يتعامل معه كخطر ينبغي مواجهته، ولهذا فإن مشروع التطرف يسعى دومًا إلى تحطيم العلاقة الحضارية بين الشعوب، التي كلما رجحت على مستوى العلاقات الدولية، كلما قَلَّتْ فرصُ العداء والعزلة.
  • ختامًا: يُمكن القول إن التطرف قبل أن يكون معضلة اجتماعية وأمنية وفكرية، فإنه إعاقة حضارية تحولُ دون استفادة الإنسان من التنوع الحضاري، الذي يُعد مصدرًا أساسيًا للرقي والتطور، فالمبدأ الأزلي لدى المتطرفين يتمثل في تشجيع العزلة، وشيطنة الغرباء، ولهذا بقدر ما شجعنا الانفتاح والتبادل الحضاري الذي يشكل التواصل التجاري والثقافي أهم تجلياتهما، إلا ومنعنا التوجهات المتطرفة من بث سمومها، ونشر ظلالها السوداء على رؤيتنا نحو العالم، وتعاملنا مع الحضارات الأخرى.