التطرف والسطو على نصوص التراث

تمارس التنظيمات المتطرفة قبل إجرامها الإرهابي مقارفة سرقة التراث وتزويره والتحايل عليه وبه، فهي تستبق جرائمها المادية بأخرى رمزية أكثر خطرًا على مرجعيات الأمم، وتدميرًا لوضوح رؤاها المعرفية، وتصوراتها الاجتماعية؛ حيث من المفترض أن يكون كل مجتمع على وعي كامل بمساره الفكري الخاص؛ لأن هذه المعرفة التي تتشكل في الغالب عبر التداولات الفكرية داخل مشهدها الثقافي، هي ما يمنح المواطنين تلك المرجعيات المشتركة التي تسمح لهم بأن يتواصلوا على نحو أكثر سهولة، وينخرطوا في مشاريع مجتمعية وطنية، حيث يمنحهم ذلك بصمة مميزة في خطابهم وفهمهم وذوقهم، ولا يخلو مجتمع في الواقع من هذه المرجعيات الفكرية الوطنية، لكن الخطر يبتدئ حينما تفقد هذه الأخيرة وضوحها من خلال عمليات التشويه الإيديولوجي من قِبل الجماعات والتنظيمات المتطرفة ، وفي ذلك نقاط عدة نوجزها في التالي:

  • أولًا: تضخم الحس الانتهازي لديهم، الذي يسمح لهم بأن يتربصوا بأي نقطة رمادية داخل النصوص، كي يحولوها إلى بؤرة على أساسها يبنون مواقفهم المتطرفة، وهم كثيرًا ما يتعمدون إخفاء التفاصيل التي تفسر حقيقة بعض إحالاتهم المرجعية، وذلك في سبيل جعلها تخدم أجنداتهم الخاصة وتحقيق مآربهم عبر إستراتيجيات خادعة قائمة على التشويه والتزوير والتدليس.
  • ثانيًا: يعمد أصحاب الفكر المتطرف الخلط بين النصوص، دونما أي اعتبار لاختلاف الأسانيد الفكرية التي تتأسس عليها أطروحات المفكرين، فقراءة النصوص المؤسسة للتطرف المعاصر تعتمد على الطابع التلفيقي والتضليلي، وغياب المنهج المنضبط في بناء القول لديهم، يجعل أي سجال فكري مع المتطرفين يدور في الفراغ، ويسقط في الغالب في نزعة انطباعية تتمظهر في مشاعر الكراهية ولغة التكفير التي يلجؤون إليها لمداراة الزيف المعرفي الذي تعاني منه نصوصهم.
  • ثالثًا: يتبع الفكر المتطرف أسلوب التيه الزماني والمكاني في نصوصه، وهو ما يفسر استعماله نصوصًا من التراث خارج سياقها، حيث إن خطاباته منغمسة بشكل متعمد في تماهي زماني ومكاني خيالي مع لحظات معينة من التاريخ، فيتخيل أصحاب هكذا فكر أنفسهم كما لو أنهم ما يزالون مستمرين في نفس المعارك التي لم يعد لها وجود في الواقع، وهو ما يفسر قراءاتهم التاريخية المنقوصة والمقتطعة في آن واحد، الأمر الذي يجعلهم يتعاملون مع مواقف تفصلنا عنها قرون طويلة، كما لو أنها مواقف راهنة، وبالتالي فهم يستعملون تلك النصوص والخطب التاريخية باعتبارها تصورات صالحة لكل زمان ومكان، دون أن يعوا أن المقولات رهينة بسياقها، وأن القفز على الفواصل المكانية والزمانية  يتسبب في فقدان الحس الواقعي، وفي تزوير الذاكرة التاريخية للنصوص.
  • ختامًا: من المهم جدًا حماية نصوص التراث من سطو المتطرفين ومن تلاعبهم الانتهازي، وذلك من جهة، بإخضاعها للكثير من التدقيق الأكاديمي الذي ولابد أنه سيعطينا صورة واضحة على دلالاتها الحقيقية، ومن جهة أخرى بوضعها في سياقها الخاص، بحيث يصعب استعمالها في غير مواضعها، أو إسقاطها بشكل غير مشروع على موضوعات لا تمت لها بصلة، إن ضبط التاريخ المعجمي للتراث، وتدقيق تلويناته الدلالية، كفيل بمنع الاستعمال غير الشرعي لكلمات تستعمل في غير موضعها، فتزيف الفكر، وتبرر ما لا يبرر في الأصل، إلا من خلال تشويه الحقائق ومن ثم إرباك وتضليل المدارك المعرفية للفئات المجتمعية خصوصًا صغار السن منهم، حيث يسهل استقطابهم وتجنيدهم بمزاعم قائمة على أسانيد باطلة ونصوص مجتزئة ومشوهة.