التطرف .. والحواضن الاجتماعية المؤدلجة

إن جهود مكافحة الفكر المتطرف إنما هي في جوانب منها مكافحة أيضًا لمحاولات جماعات وتنظيمات هكذا فكر في تشويه وتغيير المنظومات القيمية والأخلاقية لدى المكونات المختلفة في المجتمعات المُستهدفة، فالتطرف ليس قاصرًا فقط على ما يبدو في مساراته المُعلنة من تغول على نصوص دينية وتحويلها إلى مضامين تتوافق وأهدافه، بل هو أشد خطورة وأكثر تدميرًا فيما يعمل على تمريره نحو وعي صغار السن تحديدًا، لتغيير هذا الوعي بما يخدم أجنداته الحالية أو المستقبلية في التغلغل والكمون داخل المجتمعات، فالهدف الرئيس لديه ليس كما يتبدى دائمًا أو كما يحاول المتطرف تصويره وتصديره للآخر زعمًا أنه خلاف على عقيدة أو خلاف على قِيم، بل ثمة أهداف أخرى يعمد المتطرف أن تظل دائمًا طي الكتمان، خصوصًا إستراتيجياته طويلة الأمد حيال تشكيله حواضن اجتماعية مؤدلجة تكون بمثابة مجتمعات موازية مؤيدة وداعمة لخطاباته متى ما توفرت لتلك الخطابات الظروف للكشف عن مكنونها وطرحها كمنهج يُفرض على ضحاياها من المجتمعات، وفي ذلك نقاط موجزة نعرضها فيما يلي:

• أولًا: لا خلاف في حتمية التعاون المجتمعي حيال جهود مكافحة الفكر المتطرف، إلا أن ما لا يقل أهمية عن ذلك هو وعي المجتمع بتحديد مستوى الخطر الوجودي الذي قد يتعرض له إذا ما نجحت الجماعات والتنظيمات المتطرفة في الوصول إلى عقول صغار السن لديه، وإذا ما استطاعت تجاوز جُدر الحماية التي يتبعها المجتمع بشكل عام بكل مكوناته والأسرة بشكل خاص لحماية هؤلاء الصغار، والنأي بهم عن أية محاولات لأدلجتهم أو تشويه وعيهم أو استقطابهم وتحويلهم إذا ما نجحوا في ذلك إلى عناصر ميليشياوية تدفع بهم نحو ما يخدم فكر هذه الميليشيا أو تلك الجماعة متى ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.
• ثانيًا: إن الهدف الرئيس للفكر المتطرف هو استقطاب وتجنيد أكبر عدد ممكن في المجتمعات، ووضع الإستراتيجيات التي تساعد جماعاته وتنظيماته في انتزاع أية روابط بين ضحاياه وأسرهم من جهة، ومن ثم مجتمعهم ووطنهم من جهة أخرى، لذا فإن أهم مراحل الاستقطاب والتجنيد على اختلاف مزاعم أصحاب هذا الفكر، تبدأ بمرحلة نزع الثقة فيما بين الضحية ومحيطها من أقارب أو مجتمع بشكل عام، وصولًا إلى أن تكون الجماعة أو التنظيم هي المرجع المعرفي والعقائدي والفكري الأول والأخير للضحية، ليخوض بعدها مرحلة تحول من كونه فرد في مجتمع وأسرة ذات أهداف تضامنية حيال المشاركة في جهود البناء والتنمية والاستقرار، إلى عنصر مُدمر لهذه الجهود ومحرضًا عليها ومشوهًا لها بخطابات ومزاعم انغماسية في قاموس لغوي خاص يضفي على تلك الخطابات طابعًا دينيًا أو قيميًا مزيفًا.
• ثالثًا: تكمن خطورة الفكر المتطرف في استمرار محاولاته التسلل نحو ضحاياه، دون إخضاعه النتائج كما هو المعتاد في أي جهد طبيعي إلى نجاح أم فشل ما يقوم به، ما يعني أن ثمة نشاط قائم ومستمر لجماعاته وتنظيماته، وهو ما يفسر في جزء منه الانتشار المستمر للحسابات الداعمة أو الناقلة له على منصات التواصل الاجتماعي، رغم المحاولات الحثيثة في مكافحتها أو الحد من انتشارها.
• رابعًا: يُغير الفكر المتطرف دائمًا من خطاباته وفق المعطيات من حوله، مُستغلًا في ذلك مُفردات منزوعة أو مشوهة الدلالة كلغة، بالقدر الذي يتيح له إمكانات تشكيل الجوانب المفاهيمية للموضوعات التي يستهدف بها ضحاياه، وهو ما يجعل ظاهره متباينًا من مجتمع لآخر حتى وإن كانت الجهة المُصدرة للخطاب واحدة، إلا أن تفكيك وتفنيد هكذا خطابات يكشف دائمًا أن هدفها في الأخير هو هدف واحد حتى وإن تعددت صوره ومضامينه.
• ختامًا: إن، جهود مكافحة الفكر المتطرف هي في المقام الأول مسؤولية مجتمعية عامة، كما أن حماية صغار السن في المجتمع من محاولات الجماعات والتنظيمات المتطرفة الوصول إلى وعيهم، هي ضرورة إستراتيجية مهمة حيال إنجاح جهود البناء والتنمية والتطور، خصوصًا وأن محاولات استهداف هذه الفئة العمرية تنشط بشكل دائم خصوصًا على تطبيقات وحسابات التواصل الاجتماعي، ما يتطلب تعاونًا مستمرًا في كشفها، وإحباط حيلها، وتفكيك وتفنيد مزاعمها.