التطرف المخطط الإجرامي الممنهج

دائمًا ما كانت التنظيمات المتطرفة ضمن تبعات وتداعيات عرضيةً ومرضيةً لأحداث ومتغيرات تاريخية أولية؛ ذلك لأن التطرف بحكم طبيعته الخصامية والسجالية التي تتغذى من إيديولوجياته التدميرية والإجرامية؛ يسعى عابثًا إلى إصدار ردود فعل جانبية على المشاريع التي تُطلقها الدول والحضارات عمومًا، وهذا الوجود الطفيلي للتطرف هو ما يفسر الطبيعة المتلونة والانتهازية التي يتصرف بها المتطرفون حيال الأحداث المصيرية في تاريخ الشعوب، حيث نراهم يسعون في مكر إلى استغلال الموجات السياسية والاجتماعية والأمنية كلما سنحت لهم الفرصة لذلك، ولأن وجودهم لا يتحقق إلا من خلال إستراتيجيات الانسلال والتدسس غير المباشر، فهذا ما يضطرهم إلى بناء هوية مزدوجة ومواربة؛ واحدةٌ تُحقق لهم أهدافهم التسويقية والترويجية المُعلنة، وأخرى سريةٌ لا يعلنون عنها إلا للأتباع المقربين، وتلك الازدواجية هي ما يجعل طبيعة إستراتيجيات التنظيمات المتطرفة تعود إلى بُعدين  إجراميين، يتمثلان في بُعد إستراتيجي تسويقي وآخر عصائبي تنفيذي، فالأول تُخطط وتدبر من خلاله عمليات الاختراق والتأثير الاجتماعي، والآخر تُراكم عبره مكاسب إرهابها الدموي، واستثمارها الشيطاني في مردوديات الفوضى وزعزعة الاستقرار الأمني والسياسي.

بهذا المعنى، يُمكن القول أن أيّ تنظيم متطرف يعتمد في تنفيذ إجرامه على جانبين؛ الجانب الإستراتيجي والجانب التنفيذي الذي يتغذى كل واحد منهما من الآخر، ويُمكن إرجاع الأبعاد الإستراتيجية التخطيطية والعصائبية التنفيذية للتطرف إلى ما يلي:

  • أولًا: إن التنظيمات المتطرفة تسعى دومًا إلى الترويج للأوهام، من خلال العديد من الإستراتيجيات التضليلية والأساليب الملتوية الدنيئة؛ فهي تنطلق من تسفيه الأطروحات الأخرى وإظهار تفوقها الزائف، وتُقدم نفسها كبديل جماهيري يتناسب مع الجميع، متبعة إستراتيجيات الاختراق والتغلغل والانتشار، التي تُعتبر من أهم خدائع التطرف حيث لا تتوقف عن نشر محتوياتها بكافة الأشكال الممكنة، كما أنها تُمارس إستراتيجية التبسيط الاستقطابي، باعتبار أن المبالغة في التفاصيل والاحتياط والتدقيق هو مجرد خلل لدى غيرها، وأن التحديات الكبرى تجد حلها في منتهى السرعة والبساطة بالنسبة للبديل الذي تقدمه، وفي العادة إن اكتشاف تهافت هذا الطرح يدركه بقسوة أولئك الذين ينخدعون بهذا الاستسهال، ويسلمون شؤونهم للمتطرفين، الذين في كل مرة يوضعون فيها على المحك، يُظهرون مدى زيف ادعاءاتهم، وعجزهم الكبير عن تحقيق ما يروجون له من أوهام.
  • ثانيًا: تسعى إستراتيجيات التطرف إلى التلاعب بالهويات الأصيلة، واستغلال الوفاء المسبق لدى الناس نحوها، وذلك من خلال تزويرها وتقديم أشباهها على أنها الأصل، وهذا ما يبدو واضحًا في الهوس المرضي لدى الأذرع الإعلامية لهذه التنظيمات من خلال تخوين المخالفين، واتهامهم بإضاعة ما هو أصيل وعريق في المجتمعات، ومن ثمة تقديم نفسها بأنها المدافع والحامي لما يُمثل بالنسبة للناس مرجعياتهم الأصيلة، وهنا تعمد التنظيمات المتطرفة إلى توظيف مواد تدليسية من التراث ومن المقولات المبتورة في الغالب من سياقها التاريخي والنصي، من أجل أن تصطنع منها خطابًا زائفًا تُروجه لدى الناس بأنه الأصل والأصالة، وأن الأخذ به هو ما يُمثل الوفاء المطلوب من كل شخص يحترم عراقته وتراثه، وتُمثل حالة الترويج تلك استغلالًا ماكرًا للتشابه الشكلي مع الرموز الأصيلة، وصورة من التزييف والخداع التي تقوم بها التنظيمات المتطرفة لتحقيق أهدافها، وفي هذه الحالة يُصبح التمحيص والتدقيق هو أهم وسيلة لفضح هذه الخديعة التسويقية لنشر وترويج تلك الأفكار المتطرفة.
  • ثالثًا: تتبع التنظيمات المتطرفة أساليب التحايل والتنصل من المسؤولية، حيث يتخفى المتطرفون وراء ازدواجية هياكلهم التنظيمية لكي يتهربوا من مسؤولية ما يُروجون له من أفكار مدمرة، فهناك دائمًا وجوه تسويقية تتقرب إلى المشروعية باستعمال لغة ناعمة أو بيضاء، وتسعى للظهور في صورة المعتدلين والمتسامحين والإصلاحيين، وخلف هذه الوجوه تتخفى شبكة معقدة من التخابر والتآمر، التي تستغل المظلة المعتدلة المزيفة للخطاب المتطرف، كي تخترق تدريجيًا المواقع المفصلية داخل المجتمعات، وهي شبكة لا تحترم الحدود الوطنية ولا الضوابط القانونية، وتشتغل في تواطؤ لتمرير مخططاتها الممنهجة ضد المجتمعات الآمنة، ولقد رأينا كيف ساهمت في بعض الأحيان أصوات متطرفة في دفع الناس عبر خطاب التأليب والتحريض إلى كوارث اجتماعية وسياسية؛ ذهب ضحيتها الملايين قتلى ومنكوبين ولاجئين، وبعد أن وقع الفأس في الرأس؛ تنصلت هذه الأصوات المحرضة من مسؤوليتها، وتبرأت مما كانت تُفاخر أنها وراء حدوثه، وبهذا رفضت أن تدفع ضريبة أخطائها، وأن تعتذر على الأقل إلى ضحاياها الذين حاولوا تجريب سلعها الفاسدة، ففقدوا أوطانهم وأسرهم وأموالهم، وفهموا بعد فوات الأوان أنهم وقعوا ضحايا نصب واحتيال، واشتروا بضاعة فاسدة قُدمت لهم على أساس أنها مفتاح حل لمشاكلهم، وهذا التهرب والتنصل من المسؤولية إن شئنا القول لا يُمكن محاصرته إلا بتجاوز الثقة العمياء في ظاهر الخطاب المتطرف، والبحث عن الكواليس القائمة وراءه؛ التي تفضح دعاته وتكشف ألاعيبهم ضمن تفاصيل الأحداث، لأن فكر التطرف يُخفي خلفه ماهو أبعد من الاتجاه الفكري فقط؛ بل يُبطن خططًا مجرمة لا تتقي حرمة دين أو وطن، ولهذا من الضروري متابعة الشبكات المتطرفة إلى منتهاها، عوض التركيز على حلقة واحدة معزولة منها.
  • رابعًا: تعمل التنظيمات المتطرفة على المستوى العصائبي والتنفيذي ضمن أشنع طرائق الإجرام وأكثرها دموية، فتقوم بأبشع الجرائم التي تتنافى مع القوانين الدولية والإنسانية، التي يشهد عليها التاريخ الإجرامي لتلك العصابات المتطرفة، إلا أن أهم ما ينبغي تسجيله في هذا الصدد، هو أن التنبه للطرائق الإجرامية للتنظيمات يقتضي مقاربة أمنية مختلفة من أجل منع إستراتيجياتها الانغماسية والاختراقية، ومنع تسرباتها العابرة للحدود، وهذا يتطلب فهم الطبيعة الهجينة للتنظيمات المتطرفة التي تتداخل فيها عناصر مرتبطة بشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والبضائع غير القانونية، وهو ما يؤكد أن مواجهة التنظيمات من حيث هي كعصابة يستدعي الأخذ بالاعتبار أن تلك التنظيمات لا تملك هياكل تنظيمية ثابتة، بل إنها تستغل حالات الشتات التي تسمح لها بهامش أكبر من المناورة والاستقطاب، فهي لا تُعلن حروبًا على خلاف الجيوش النظامية وإنما سلسلة من العمليات المتحللة من أيّ التزام أخلاقي أو قانوني، وهذا ما يحتم المزاوجة بين الإستراتيجيات الاستقصائية والدفاعية والاستباقية.
  • ختامًا: يمكن القول إن محاربة المتطرف المجرم ينبغي أن تتم في تزامن مع مكافحة المتطرف المحرض، وهذا ما يفسر كيف أن الإستراتيجيات التكاملية هي الأكثر نجاعة في الوقوف أمام التطرف في بعديه الإستراتيجي التخطيطي والعصائبي التنفيذي، وهو ما يفيد أن معركتنا ضد التطرف، هي معركتنا جميعًا كمجتمعات آمنة ومسالمة، أولًا لحماية عقولنا من اللوثة الأيديولوجية المرتبطة بالبضاعة الفاسدة للمتطرفين، وثانيًا لتحصين مجتمعاتنا أمنيًا من دسائس هذه العصابات الهجينة التي لا ضابط لحقدها وكراهيتها حيال كل من يخالفها في مذاهبها الإجرامية.