الترفيه مهمة جدية لا علاقة لها باللهو

باسم مُثُلٍ زائفة وتأويلات كاذبة للنصوص الدينية، يدافع المتطرفون عن البؤس النفسي والثقافي والاجتماعي، معتبرين ذلك مبررًا يهدرون لأجله الدماء، وينشرون في سبيله الخراب، ورغم الهالة القدسية المفتعلة التي يضيفونها على خطابهم، وهم يقدمون أنفسهم حماةً للفضيلة والأخلاق القويمة، فإنهم في حقيقة الأمر لا يدافعون إلا عن قتامة أمزجتهم التي تبلدت أحاسيسها بفعل غسل الأدمغة الذي يخضعون له داخل حواضن التطرف؛ التي تحرص على تعطيل المشاعر الإنسانية السوية لدى أتباعها، لكي تتحكم فيهم على النحو الذي تريد، وتجعلهم ينظرون بهوس مرضي إلى كل تجليات سعادة الناس ومظاهر فرحهم، فلا تكاد تطالعهم بسمة أو احتفاء بالسعادة ومشاطرة لها، حتى يطفقون في نشر خطابهم المتشنج والتأليبي، الذي يستعمل الكلمات في غير موضعها، وينسب الأسماء لغير مسمياتها.

ولعل من أشهر اختلاطات المتطرفين اللغوية والفكرية، اعتقادهم أن الترفيه هو ما اشتهر لديهم باللهو واللغو، وانطلاقًا من عدم التمييز هذا، تراهم يطلقون أحكامًا في غير موضعها، ويتحدثون عما لم يدركوا كنهه من الأساس، وذلك لأن الترفيه في الحضارة الحديثة، هو مجال مهم يُوازن لدى الإنسان بين حياة العمل والسعي والجد وبين الجانب الآخر من الحياة الذي يمنحه فسحة من التفرغ من مهام الحياة اليومية، ويسمح له بأن يُغْنِيَّ حياته بالتجارب الثقافية والفنية التي لا تنتمي بالضرورة إلى سياقه الثقافي المحلي، فيصبح  بفعل ذلك منفتحًا على ثقافات العالم في كل أشكالها الفنية والأدبية، التي تعبر في جانب على الخصوصيات الثقافية، لكنها في الغالب جزءًا من الثقافة الكونية التي يتشاركها كل بني البشر، ويستشعرون عبرها انتماءهم لعالم واحد قابل أن تُقْتَسَمَ فيه بعض المشاعر والتجارب، بغض النظر عن الخصوصيات الثقافية الضيقة.

حسب هذا المنطق لا يعتبر الترفيه الذي يعد جانبًا مهمًا من الحياة الإنسانية المعاصرة مجرد مضيعة للوقت، وإلهاء للعقول عما هو نافع، مثلما يعتقد البعض، بل وسيلة  أساسية يستكمل عبرها الإنسان هويته الإنسانية المتكاملة، مما يسمح له بالقدرة على فهم العالم الذي يحيط به، فحينما نكون قادرين على تذوق أنماط الإبداع العالمي، سواء في عالمنا الراهن، أو عبر العصور القديمة لتراث الإنسانية، التي تعرض تجارب الشعوب الأخرى وتتيح فرصة الاستزادة من المعارف المختلفة في جو من المتعة الجمالية، وتضفي على حالة التعارف بين الحضارات سعادة خاصة، وهو ما لا يدركه المتطرفون، كون مظاهر السعادة المشتركة بين الناس في المناسبات العامة للترفيه، ليست خروجًا عن جادة الصواب ولا تحللًا من الجدية والمسؤولية، بقدر ما هي نتيجة شعور مشترك ومتبادل، بأن ما يختلج في قلوب الناس عبر العالم، قابل لأن يستعاد الإحساس به في كل مكان، وهذا ما يفيد أن هناك قواسم مشتركة بين العالمين تتجاوز الانتماءات الضيقة، وموانعَ اللغة والأيديولوجيات، وهذا ما يجعل الترفيه بوابة لإعادة بناء الانتماء إلى الإنسانية، ومن ثمة تجاوز تلك المشاعر السلبية التي تسود، كلما أغفلنا بذل جهد التعارف مع الشعوب الأخرى، ووقعنا في الانكماش الثقافي، الذي يقدمه المتطرفون كوسيلة تبرر بزعمهم حفظ ذواتنا من الآخر الغريب والمُشيْطَنِ من خلال خطاب الكراهية وسوء النية، بينما الانكماش والعزلة الحضاريتين هما حكم على كل من وقع ضائقتهما الثقافية، بفك الارتباط بالحضارة الكونية لجميع شعوب العالم، والتصرف على أساس أن هذا الآخر عدو ثقافي على الإطلاق، عوض الانخراط في دينامية التفاعل الإيجابي مع التنوع الثقافي للعالم، وفي ذلك نقاط نوجزها في التالي:

  • أولًا: افتتاح المزيد من المتاحف ومعارض الفنون والعلوم في مدننا، وجعل زيارتها أساسية من برامج حياتنا عامة، وذلك لتعزيز الاندماج الثقافي والذوقي في مساق الحضارة الكونية، مما يمثل فرصة لبناء ملكة أخلاقية عميقة لدى المجتمع، تقوم على احترام الآخر والقبول بالتعددية الثقافية، ويؤدي بشكل تلقائي إلى نضوج حس التسامح والانفتاح الحضاري الإيجابي، إضافة إلى الاهتمام بالمسارح وجعلها مكانًا يتيح لنا متابعة الصراع بين الخير والشر وبين الجمال والقبح عبر الأعمال المسرحية الإنسانية الكبرى، وهي فرصة لفهم حقيقة المشاعر والطبائع، ومعرفة مآلات الخير ومهالك الشر، وفي ذلك تهذيب لذوقنا الأخلاقي، وتطهير فني لأرواحنا من الميل إلى الشر الذي ينتهي إلى تراجيديات مأساوية، مما يساهم في تهذيب الحس العاطفي والارتقاء به.
  • ثانيًا: إن المعارض والمواسم الترويجية للمنتجات الثقافية والفنية، هي أيضا وسيلة مناسبة لخلق تواصل استثنائي ومشاركة الآخرين نفس المتع الجمالية والثقافية، فكل نشاط أو ندوة أو عرض فني ما، يخلق بين مجموعة معينة نوعًا من الرابط الذوقي، وهذا ما يجعل سعادتهم تأخذ شكلًا جماعيًا، مما يخلق بينهم ألفة تُعمق حسهم الحضاري والمدني، ويساهم في تقبلهم عروضًا أخرى لأذواق مختلفة، دون أن يدفعهم لمعاداة من يختارون متعًا جمالية وفنية أخرى، وهذه التعددية في العروض داخل المواسم الثقافية والفنية، هي تمرين جماعي على التعايش والسلم والتسامح، واعتراف ضمني بأن المجتمع لا يتشكل فقط من أولئك الذين يشاركوننا نفس القناعات والأذواق، وهو ما يستفز بشكل كبير مشاعر المتطرفين التي لديها حساسية مرضية من قيم التسامح والتعايش، وكذلك من لحظات الجمال والسعادة والفرح، لهذا فردود فعلهم المتشنجة، هي نتيجة طبيعية لضيق الأفق الذي حشرتهم فيه أيديولوجياتهم المبتئسة، التي تنتهي بهم إلى جلافة ذوقية، لا مجال للتخلص منها إلا من خلال إعادة تأهيل طويلة، عبر فرص ترفيه راقية.
  • ختامًا: إن الترفيه هو جزء أساسي من البُنى المجتمعية المدنية المتضمنة قطاعاتها وخدماتها ومرافقها المختلفة، ولهذا ينبغي التعامل معه بجدية بالغة، فهو ليس مضيعة وقت كما قد يَعِنُّ للبعض، ولا هو مدخل للانحلال كما يروج له من لا يدرك فيه عمق المتع الجمالية، والسعادة الذوقية، وما له من أهمية في خلق مجال حيوي لتنامي المشاعر الإنسانية وإضعاف المشاعر العدائية الضيقة والمتطرفة، القائمة على الخوف من السعادة، والإعلاء الغريب من قتامة الرؤى العنيفة، والابتئاس الطوعي، ولن نتمكن من دحر هذه الميول المرضية نحو القبح والبؤس، إلا بالمزيد من الإبداع الجمالي، والسعادة والفرح المشتركة بين الناس، وبالتالي بالمزيد من فرص الترفيه.