الانغلاقات الثلاثية للمتطرف

تتراكم الأحكام المسبقة لدى المتطرف كلما تقدم أكثر في ضلال التعصب بكل أشكاله، إلى أن تتحول مع مرور الوقت إلى غشاوة تلتف على مدارك المتطرفين، فتغلق عليهم سُبل المعرفة، فتشكل هذه المسبقات غيمة سوداء تجلل كآبتُها كل رؤاهم وأطروحاتهم، فلا يستطيعون حينئذ إلا بناء خطابات الكراهية والعداء والاستعداء والعنف والعنصرية؛ وهذا الوضع الخانق لا يعتبر مقتصرًا على إيديولوجية دون أخرى، التي هي في نفس الوقت إغلاق للفكر والإحساس والسلوك.

بهذا المعنى يجوز القول إن التطرف هو بناء منغلق على ذاته يعزل ضحاياه في أفكار ضيقة من التصورات الفاسدة، التي تترسخ في أعماق المتطرفين الفكرية والوجدانية على شكل قناعات متشنجة؛ معيقة للفهم وللتعلم وللتواصل والاندماج، وهي بفعل آلية التكرار والتلقين المعتمدة لدى التنظيمات المتطرفة، تتحول إلى رد فعل لا واع وتلقائي، لا يحتمل المراجعة أو المناقشة أو حتى الدليل، فيكفي أن يسمع المتطرف أو أن يقرأ أي شيء خارج تفكيره الضيق، إلا وتأخذه ردود الفعل التي لا علاقة لها بمناظرة الفكر بالفكر أو الحُجة بالحُجة، ويُمكن إرجاع الانغلاقات الثلاثية للمتطرف إلى ما يلي:

  • أولًا: الانغلاق الفكري؛ والذي يتشكل منطقيًا من خلال بناء أنساق معرفية تُعفي كل مقدماتها من الاستدلال والدليل، معوضةً ذلك بمنطق الخطابة الحماسي الذي يستبدل الأطروحات الفكرية بالشعارات المتلونة، القابلة لأن تُقرأ على أوجه مختلفة؛ فحينما يعتقد المتطرف بأنه يفكر ويجادل ويفند وينقض، فإنه في الواقع لا يتجاوز تدوير جمل مسكوكة تُغنيه عن التفكير من الأساس، لهذا السبب نصادف نفس الاعتراضات المهترئة في أغلب أدبيات المتطرفين، بحيث تتناقلها الأجيال الفكرية للتطرف، دونما القدرة على التحقق من مدى دقتها وصحتها، رغم أن الكثير من المقولات التي يتكرر الترويج لها على أساس أنها تمثل إظهارًا للإبداع الزائف للخطاب المتطرف، ماهي إلا في واقع الحال سوى استعادة حرفية للأطروحات التي لا يتردد المتطرفون من خلالها عن وصف من لا يشاركهم نفس قناعاتهم المنحرفة بأسوأ الأوصاف، ويستعرضون عبرها الأساليب الإرهابية للجماعات المتطرفة التي تبرر الاغتيال والتخريب والعمليات الانتحارية وإشاعة الفوضى والدمار ومحاولة تقويض استقرار المجتمعات، وهكذا يحصر المتطرف نفسه داخل أنساق معرفية ملفقة، مكتفيًا بمحاولة إضفائه نوعًا من القداسة على هذا الجهل العميق، الذي تتناقله التنظيمات جيلًا بعد جيل، لكن حينما يستحكم الانغلاق المعرفي، يصبح من شبه المستحيل أن يتفطن المتطرف للحاجة إلى المعرفة، وهذا ما يصيبه بحالة من الانغلاق والجمود الفكري كلما ازداد تطرفًا.
  • ثانيًا :الانغلاق الوجداني؛ ويتشكل من شبكة الأحاسيس السلبية التي يحاول أن يغذيها المتطرف حيال كل ما يحيط به من أشخاص ومن مؤسسات، فالمتطرف يفقد بفعل تضخم شعور الكراهية لديه الإحساس بالأمان داخل مجتمعه، وهذا ما يجعله يتخيل بأن الكل يحوك المؤامرات للنيل منه، بل حتى حينما يقع في وضعيات جنائية تعاقب عليها كل القوانين، فهو لا يستطيع أن يستوعب أنه كان ضحية نفسه وأفكاره واختياراته الخارجة عن إطار القانون، لهذا ينسج حكايات وهمية تُضفي عليه هالة من القداسة والمظلومية، وبهذا يغرق في مزيد من العزلة النفسية، بحيث يُصبح عاجزًا عن إدراك وتقدير السياقات التواصلية التي يوضع داخلها، فينمي بسبب ذلك مواقف لا علاقة لها بحقيقة الأوضاع التي يضع نفسه داخلها، ويمكننا القول أن المتطرف هو ذلك المجرم الذي تتحول لديه حالة الإنكار إلى آلية دفاعية، وبالتالي يصل إلى درجة من الغرابة التواصلية تجعله وهو يهدد حياة الناس ويخطط لأذيتهم، لا يتوقف عن تقديم نفسه في صورة الضحية البريئة؛ فتراه يطعن بخنجر الغدر ويصرخ ألمًا بدل ضحاياه، ويسطو ويستعبد وحين يضعف وينهزم يحتج على سوء المعاملة، ويطالب لنفسه بالعناية والكرامة والاحترام، مع إصراره بأن أعداءه ومخالفيه لا يستحقون مثل هذه الحقوق، ولهذا فهو ينتظر التمكين لكي يعود مرة أخرى إلى سابق عهده من التوحش والهمجية التي يُضفي عليها مسحة مقدسة زائفة، وهناك نرجسية مرضية لدى المتطرفين تتضح من استسهالهم الاعتداء على الناس، وتهويل أي تضييق على خططهم الشريرة تجاه المجتمعات؛ وتلك الكراهية والنرجسية تُسيج المتطرفين في إطار ضيق من المشاعر السلبية، وهذا ما يؤدي بمشاعرهم الإنسانية إلى التبلد والضمور، لصالح مشاعر وحشية لا تتورع  إذا ما أتيحت لها الفرصة أن ترتكب أبشع الجرائم ضد الإنسانية جمعاء، إن افتقاد المتطرفين إلى العواطف الإيجابية تجاه الآخر، هي في الواقع ما يتسبب في خطابهم الكئيب، الذي يتفنن في التشفي  في مآسي الناس، وفي التعبير عن مشاعر الكراهية السوداوية، وهذا بحد ذاته زنزانة وجدانية يحملها معه المتطرف حيثما حل وارتحل.
  • ثالثًا: الانغلاق السلوكي؛ وهو القائم على عقلية التنميط والتجانس، حيث يتبنى المتطرف فكرة تماثل سلوكيات الناس وعدم اختلافها، متناسيًا أن هناك فرقًا بين المبادئ الثابتة وبين التجليات المختلفة لنفس المبادئ؛ فيُمكن التعبير عن مبدأ العفة والوقار والاحترام مثلًا بأشكال مختلفة من السلوك، دون أن يُعتبر ذلك خيانة للمبدأ نفسه، وفي هذا انسجام مع التنوع الاجتماعي، وكذلك مع الخصوصيات التاريخية والثقافية، وعلى خلاف ذلك لا يُركز المتطرف على المبادئ الكامنة وراء السلوك، بل يختزل هذه الأخيرة في جوهر المبدأ نفسه، وهو ما يدل على ضحالة سلوكية مشينة، لا تليق إلا بمن يتخيل أن المجتمعات هي أشبه ما تكون بالتنظيمات المتطرفة، التي تُماثل في تجانسها السلوكي القطعانَ التي يلتصق بعضها ببعض، في وفاء أعمى للتنظيمات وسلوكياتها، على خلاف المجتمعات الإنسانية التي تملك العقل والإرادة والوعي، ولهذا فكل شخص يُمكنه أن يجسد نفس المبدأ حسب فهمه الخاص وأفقه المعرفي والقيمي، إن المتطرف التنظيمي الذي ينقاد سلوكيًا لنمطية عمياء، يعيش في الواقع داخل انغلاق سلوكي عقيم، ولهذا فهو يفقد استقلاليته السلوكية، ويحاول أن يُعمم هذا الاستلاب التنظيمي الذي يعيش تحت إطاره على المجتمعات الفعلية التي من المستحيل أن نتعامل معها على أنها عبارة عن تنظيمات متضخمة.
  • ختامًا: يُمكن القول أن المتطرف هو سجين فكره الضيق، وضحية لاختياراته الوجدانية والسلوكية المشوهه، من هنا فإن عدم قدرته على إدراك حقيقة الوضع القانوني والثقافي الذي يعيشه، لا علاقة له بنظرية المؤامرة المتأصلة في أنفس المتطرفين وفكرهم الضال، وإنما هي وليدة أحكامه المسبقة التي تُغلق عليه كل أفق، فيصبح معزولًا ومنبوذًا داخل مجتمعه، لهذا من المفترض أن يُحاول المتطرف أن يغير نفسه وأفكاره، عوض محاولته تغيير المجتمعات التي يعيش داخلها بطريقة غير سليمة، لأن مكمن الخلل يوجد في دواخله وليس كما يعتقد في الآخرين؛ الذين لا يستطيع أن يراهم أو يدرك حقيقتهم بفعل تلك الغشاوة الثقيلة التي تُحيط به كستار ثقيل وعازل.