الاغتراب الطوعي للمتطرفين

تُمثل الصورة الشمولية للمجتمع قيمة حيوية لاستمرار تطوره، ما يجعل أصحاب الفكر المتطرف يحرصون في مختلف أنشطتهم وممارساتهم، على أن يبثوا الشك والارتياب في مدى مصداقية أركانه وجدواها، فيتحول فعل الخروج عليه إلى مهمة مقدسة لديهم، يلقنون طرائقها وشعاراتها وأدبياتها لأتباعهم بحماسة منقطعة النظير، و بتزييف للأسانيد والمسوغات التي تصور الحق باطلًا والباطل حقًا، ودفع دائم نحو الانخراط في أجندات لا ضابط لها ولا مرجع ولا سند، إلا ما وقر في قلوبهم وعقولهم من خطابات التحمية العدائية وثقافة الكراهية، وتغذية الأحقاد والشعور لدى عناصرهم للوصول بهم إلى ما يمكن وصفه بـ”الاغتراب الطوعي” عن محيطهم، مع انغماس تام في عدائيات مطلقة لكل من حولهم، وهم في ذلك يتبعون مسارات عدة من بينها:

• أولًا: تشكيك الفكر المتطرف في أهداف المجتمع والعمل على منع انخراط مكوناته في خطط تنميته وتقدمه، وإحاطة عرابي هذا الفكر بهالة من القداسة الوهمية والتفوق الفضائلي، وتسفيه كل ما يخالفهم، وعوض أن يساهموا على غرار مكونات المجتمع كافة في دعم الخطط التنموية وتحقيقها على أرض الواقع، فهم لا يتورعون عن تصوير كل بناء باعتباره كارثة ينبغي مواجهتها بالرفض والمقاومة، لذا تجدهم ينخرطون بحماسة في نشر الأعمال الفوضوية التي تفتقد لكل الموجهات الإجرائية الواضحة، من قبيل جمع التبرعات بتوسل خطابة الاستعداء، أو استغلال القضايا ذات البعد الديني لخدمة أهدافهم ومصالحهم، وهو ما يتحول إلى نوع من السطو المخاتل على أموال الناس تحت مظلات جمع الصدقات والأعمال الخيرية، والتشويه المتعمد للوعي المجتمعي العام.

• ثانيًا: يجد أصحاب الفكر المتطرف أنفسهم أكثر في الفوضى، لذا يحرصون على إثارتها والدفع نحوها بشتى السبل، لمعرفتهم اليقينية أنها هي ما يسهل عليهم عملية تخفيهم وخداعهم، وتنفيذ أجنداتهم، ونجاح عملياتهم التجنيدية و الاستقطابية.

• ثالثًا: تعمد الجماعات والتنظيمات المتطرفة إلى القيام بمحاولات تكوين تجمعات مستترة لعناصرهم داخل المجتمع الذي يتواجدون به،واستغلالها في عمليات نشر أفكارها وأجنداتها، واستقطاب وتجنيد عناصر جديدة لها، وهو ما يمثل تهديدًا كبيرًا لتماسك المجتمع واستقراره.

• رابعًا: يحاول أصحاب الفكر المتطرف التسلل إلى مكونات المجتمع الرئيسة خصوصًا تلك التي ترتبط بتشكيل فكر الفرد أو سلوكه مثل المدارس والجامعات، وهو ما يتطلب وعيًا ومشاركة مجتمعية إيجابية لكشف هذا المحاولات والتوعية بمخاطرها.

• ختامًا: إن العداء شبه التلقائي للمتطرف تجاه مجتمعه هو سلوك يمثل في نهاية المطاف،الأصل العميق لكل سلوك إرهابي، لذا فمن المهم جدًا تنمية الحس والانتماء المجتمعي العام، لما يتضمنه ذلك من قدرة على مواجهة مثل هكذا عداء، ومكافحة الفكر المتطرف في لحظات تشكله الأولى.