إستراتيجية الفكر المتطرف في الاحتواء

يتغول الفكر المتطرف في محاولة تشويه وعي صغار السن تحديدًا وإفقادهم الثقة في أنفسهم وفي مجتمعاتهم، قبل أن يكشف عن هدفه الحقيقي في دفعهم نحو قطع أية علاقة بذواتهم أولًا ومحيطهم الأقرب ثانيًا ومجتمعهم عامة ثالثًا، ليصبحوا مجرد أرقام في قائمة ضحايا جماعاته وتنظيماته بعد أن وجد سبيلًا إلى وعيهم، فتحولوا من أدوات تنمية وبناء إلى عناصر تدمير وتخريب، وهو ما يكشف في جزء من قراءة الجانب النفسي والإيديولوجي لدى صغار السن الذين تورطوا في ارتكاب عمليات إرهابية ضد ذويهم أو محيطهم، مدى انغماسهم في أفكار كانت من الخطورة بمكان أن انتزعتهم من امتدادهم القيمي والإنساني والعقائدي، إلى آخر مزيف ومضَلل استلب طموحاتهم وأحلامهم في بناء مستقبلهم، مشوهًا وعيهم سلوكًا وفكرًا، وفي ذلك نقاط نوجزها فيما يلي:

  • أولًا: تحرص جماعات وتنظيمات الفكر المتطرف في تشكيلها لخطابات حواضنها الإلكترونية أن تتماهى مع ميول ضحاياها وتوجهاتهم، بالقدر الذي يتيح لها إمكانات تحديد نوع الخطاب المناسب لكل ضحية وفق الهدف المُراد منه استقطابًا أم تجنيدًا أم تحريضًا، وبما يتوافق مع إستراتيجياتها في الوصول إلى هدفها الرئيس وهو تغييب وتشويه وعي الضحية واستلاب قدراته في إخضاع ما يتعرض له من خطابات لأدوات المنطق والتفكير، ليصبح وفق هكذا حالة مجرد منفذ لأوامر تلك الجماعة أو التنظيم، وأداة من أدواتها وسط دوائر شبكية رقمية متطرفة، تهدف جميعها إلى تدمير المجتمعات وتقويض فرصها في البناء والاستقرار.
  • ثانيًا: تعمد الجماعات والتنظيمات المتطرفة والإرهابية في إستراتيجياتها حيال احتواء كثير من ضحاياها، إلى متابعة مكثفة للضحية وتحديد ميوله التي يكون في الغالب قد سبق وأعرب عنها تلميحًا أو تصريحًا عبر حساباته ومتابعاته على شبكات التواصل الاجتماعي، مع إغراقه في مراحل تجنيدية مختلفة بمحتويات من شأنها دفعه نحو التسليم المطلق بصواب ما يتلقاه، وبأن جماعته أو تنظيمه هما في الأخير البديل الأقرب له من أسرته ومجتمعه ووطنه، فيتجرد الضحية من كل رابط بينه وبين تلك الامتدادات، الأمر الذي يدخله مستقبلًا في حالة من الرفض والإقصاء والانعزال عن أي نشاط مجتمعي يحيط به، بل وتحوله إلى شخص منغمس في العداء والرفض والكراهية لكل آخر مختلف عنه.
  • ثالثًا: يعمل الفكر المتطرف دائمًا على إصابة ضحاياه بالارتباك والاضطراب خاصة في ظل محاولاته المتكررة الفصل بين هؤلاء الضحايا ومحيطهم، ودفعهم دائمًا إلى أقصى درجات الابتعاد والانعزال الفكري والقيمي والعقائدي الذي يشكل المنظومة المجتمعية من حولهم، ليسهل في الأخير على جماعات وتنظيمات هكذا فكر استبدال المخزون المعرفي والمفاهيمي لدى الضحية، بآخر مؤدلج منغمس في مظلوميات ترتفع وتيرتها مع كل مرحلة تجنيدية يخوضها الضحية بوعي منه أو بدون على شبكات وحسابات التواصل الاجتماعي، ودفعه للصدام مع محيطه بدلًا من التفاعل الإيجابي مع كل ما من شأنه تعزيز وجوده ومشاركاته في الخطط المطروحة لتطور المجتمع وتعزيز فرصه في الابتكار والتقدم والبناء.
  • رابعًا: من الأهمية بمكان الوعي بأن للخطابات المتطرفة أقنعة متعددة توظفها جماعاته وتنظيماته في التسلل نحو عقول ضحاياها خصوصًا صغار السن منهم، لكل قناع منها قاموس لغوي محدد يختلف باختلاف ميول الضحية المُستهدَفة، لا يقتصر فقط على محاولات تزييف الجانب العقائدي الذي بات لدى جُل المجتمعات وعيًا كافيًا بحيلها ومزاعمها، بل أصبح يمتد نحو أنشطة أخرى تطال في المقام الأول اهتمامات ورغبات هذه الفئة العمرية، الأمر الذي يتطلب اهتمامًا ووعيًا مجتمعيًا بالتواصل الدائم معها والتفاعل الإيجابي مع تطلعاتها وطموحاتها ورؤاها المستقبلية، حماية لها من الوقوع في دوائر وشِراك هكذا جماعات وتنظيمات.
  • ختامًا: إن لدى الإيديولوجيات المتطرفة أدوات دائمة التغير تتسلل بها نحو عقول ضحاياها، ما يجعل من مكافحتها أمرًا بالغ الصعوبة يتطلب يقظة مستمرة لمواكبة هذه التغيرات، ووضع الخطط والإستراتيجيات المناسبة لحماية الفئات المجتمعية المختلفة من تغولاتها وآثارها، كما يتطلب وعيًا جمعيًا بأهمية تعزيز قيم التواصل الإنساني الإيجابي والتعاون والتفاعل مع كل ما يثري جهود المجتمع في التنمية والتقدم.